00
إكسبو 2020 دبي اليوم

لغتنا هويتنا ومن يجهلها يجهلنا

ت + ت - الحجم الطبيعي

استوعبت اللغة العربية المتطلبات الحضارية من حيث المفردات والتسميات، التي أطلقتها على كافة نواحي الحياة المادية والمعنوية وبمعزل عن الاختلاف في تكوينها الزمني، فاللغة العربية أثبتت لنا من خلال المتوارث والمنقول، أنها تميزت بقدرة عالية على الاستجابة لمتطلبات العصور المختلفة.

ومن المُسلم به أن اللغة التي تقف عاجزة عن مسايرة ركب الحضارة في مجالاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ليست جديرة بالحياة، لأنها بعجزها تحمل أسباب الفناء واللغة العربية لغة حية متطورة، لم تعجز عن استيعاب عصور من الحياة وأجيالٍ من المجتمعات، وإنما ظلت لغة التخاطب والأدب والعلوم، تستقبل كل عصر جديد بما تملك من مرونة في أنظمتها، وقدرة في وسائلها الذاتية على الاتساع والاستيعاب.

فاللغة العربية استوعبت القرآن الكريم كما أراد الله لها، والقرآن الكريم من جهته هو الذي نشرها وأخرجها من القومية إلى العالمية، حيث كانت من قبل لغة محلية، يتكلم بها العرب في شبه جزيرتهم، ولا يوجد من يتكلم بها خارجها، فلما جاء الإسلام خرجت معه وانتشرت بانتشاره. وكون العربية لغة القرآن وشريعته جعل مئات العلماء من غير العرب، يعكفون على العلوم العربية دراسة و تأليفاً، الشيء الذي جعلها تنتقل من لغة قومٍ وأمة لتصبح لغة أقوامٍ وأمم، تنتشر مع دعوة القرآن وانتشار الإسلام.

من الملاحظ أن مهندسي العولمة أصبحوا يدرجون العربية ضمن المرامي الاستراتيجية لا من أجل تطويرها، ولكن من أجل إقصائها عن جملة اللغات الرسمية، حيث أصبحت تواجه، وما زالت، حرباً واسعة استخدمت فيها كل الوسائل الممكنة من اتهامات بالصعوبة، وعدم قدرتها على استيعاب العلوم ومحاولة إضعافها عن طريق دعم اللغات الأجنبية التي تنتشر بقوة العولمة للهيمنة على العقلية العربية، ونشر بعض التوهيمات على أن الإنجليزية لغة تواصل دولي والعمل على نشرها بشكل ديكتاتوري.

والملاحظ أن اللغة العربية اليوم أصبحت تعاني عقوق أبنائها، حيث أصبحنا نرى تهاوناً عربياً في نصرة اللسان العربي، فضلًا عن اغتيال العربية في المحطات الفضائية والأرضية التي تشن حرباً نفسية على العرب، لإشعارهم بأهمية اللغة الأجنبية والانبهار بكل ما هو أجنبي والقول الزائف، إن التقدم لا يأتي إلا عن طريق إتقان اللغة الأجنبية والترنم بمصطلحاتها، مع أن صدر العربية فسيح في استيعاب كل جديد وطارئ وحضاري.

انظروا ماذا يحدث للغة العربية الآن: إنها تقبر من طرف أبنائها، ولا يخفى ما تعانيه اليوم من عقوق الناطقين بها، حيث أصبح العرب في هذه الفترة من التاريخ، يشعرون بالدونية بعد ما كانوا سادة العالم. لقد تنصل العرب من لغتهم ظنًّاً منهم أنهم بإبعاد أنفسهم من أمة العرب، سيكونون ضمن العالم المتقدم، فأصبح هؤلاء النفر من العرب يقلد ويحاكي الغرب في قشور لغتهم، ومن الأدهى أن تصبح اللغة الأجنبية مصدر اهتمامهم،..

فماذا فعلوا؟ أدخلوا أبناءهم المدارس الأجنبية، يخاطبونهم باللغة الانجليزية، يدخلون المصطلحات الإنجليزية على لغتهم العربية، لكي يظهروا بأنهم غربيون أكثر منهم عرباً، وليعلوا على من هم متخلفون في نظرهم أبناء جلدتهم، وأنت تنتظر دورك، يلفت انتباهك أطفال صغار في السن يلبسون الدشداشة..

وهم من أصول عربية وخليجية ولكن يتحدثون بلغة الغرب، إذا دخلت أحد المطاعم وعندها أخذت قائمة الطعام سوف تراها باللغة الانجليزية، ومثلما تعمل وزارة الاقتصاد دوراً ملاحظاًً جداً في حماية المستهلك، يتوجب على البلديات أيضاً أن تبرز دورها في حماية اللغة العربية، وفرضها في قائمة الأطعمة لدى المطاعم، بحيث تمنع إصدار تراخيص إلا بعد الموافقة على شرط وجود اللغة العربية ضمن قائمة الأكل.

بعضنا قد أهمل لغتنا واستعمل لغة الغرب في بعض الكلمات، نحن في دولة عربية إسلامية يجب أن نعلم أبناءنا اللغة العربية ولا مانع من تعليمه الانجليزية بشرط كون العربية هي اللغة الأولى.

عندما تنتظر دورك، وهذه تحصل في البنوك لكي تسحب مبلغاً نقدياً، وتنتظر وتنتظر، وعندما يأتي دورك ويكون معك شيك، كتب باللغة العربية يقول لك الصراف غير العربي بالعربي:أنا آسف لا اقرأ العربية، هل لك أن تذهب لشباك آخر به شخص عربي يقرأ العربية ؟ ربما في بعض البنوك أو في المعاملات التجارية، يجب عليهم أن يكتبوا بلائحة كبيرة " ليس عندنا من يقرأ العربية الرجاء أن تجد لك مكاناً آخر متوفراً فيه من يقرأ اللغة العربية ".

هذه بعض المواقف اليومية التي تمر بها لغتنا العربية في موطنها الأصلي، إن هؤلاء المقلدين هم ضحية تفكيرهم المحدود، ونظرتهم الضيقة، ألا يعلمون بأن كل الأمم يكون من أولى اهتماماتها الحفاظ على لغتها من أجل التطوير؟ وأن الأمة التي تهتم بالتحدث بلغة غير لغتها، وتعتز بها هي أمة تتجه نحو الذل والهوان والتأخر؟

على وزارة التربية والتعليم بذل الجهد الأكبر في استدراك قصورها، والاهتمام بالعربية في التدريس في جميع المدارس الحكومية والخاصة، وإعطاء الأولوية في تدريس جميع المواد باللغة العربية، وعلى المسؤولين في البلد التركيز على الإعلام والثقافة والحفاظ على اللغة العربية بشتى الطرق، والسهر على دبلجة الأفلام والمسلسلات الأجنبية التي لها دور بارز في صقل اللغة..

وتعويد الجيل الجديد على استخدام المفردات اليومية، وعلى المجتمع والجمعيات الأهلية والمدنية أن تهب هبة واحدة لنصرة العربية؛ لأن التقدم الحضاري لا يأتي إلا باستخدام اللغة الأم، والحفاظ على المبادئ والقيم، والاعتزاز بهما.

كثيرة هي العوامل التي تدفعنا لإهمالها بداية بالأدوات اليومية، ونهاية في المنزل ولكن اللغة العربية صامدة لهذا العصر بأغصانها المذبلة، وهي تسقي نفسها بنفسها، فتندهش لاستعمالها الوهمي فقط بالأوراق، وحتى أطفالنا نسوا كثيراً منها وهم يستعملون أدوات الغرب منذ قرون، ونحن نتداولها ونفتخر بها، وكثيراً من الكتب أتت منها وبها.

أشكر وزارة الاقتصاد لقيامها بفرض غرامة مالية، تصل إلى مئة ألف درهم ضد المحلات التجارية، التي تعيق تعريب معاملاتها مع المستهلكين، عبر الإصرار على إصدار فواتير شراء باللغة الانجليزية.

 

طباعة Email