مرض التغيير

ت + ت - الحجم الطبيعي

هل بالإمكان أن نستفيد من المهتمين بعلم النفس المرضي، أن يحاولوا دراسة تفشي سلوك حب التغيير، سواءً في الملبس أو المأكل وحتى أثاث المنازل؟! وهو موضوع يحتاج إلى دراسة وتحليل، أهو عدم الاستقرار أم الملل الذي أصاب الإنسان العربي المعاصر، أم هو التخلص من مرحلة الحرمان؟!

كم نحن محتاجون في هذه المرحلة إلى الثبات والاستقرار، وأن نتخلص من مرحلة التطور السريع واللهاث وراء كل ما هو جديد، بغض النظر عما هو موجود لدينا.

من الملاحظ أن المجتمعات الأوروبية ذات الثقافة والحضارة، التي أثرت في العالم، لا تزال تحافظ على تراثها العمراني، ومنه المحافظة على الأثاث منذ الفترة النابوليونية، وحتى القياصرة سواء من روسيا أو غيرها من الأم،م مثل الصين وأمريكا اللاتينية.

إنه التراث المادي، الذي يجب الحفاظ عليه، وقديماً قيل "عتيق الصوف ولا جديد البرسيم"، ما يعني الوعي بخطورة الاستهلاك، وضبط سلوك الإنسان في حب التملك والتباهي.

لقد أصبحت معظم المواد التي نتعامل معها كورقة المناديل، ترمى في سلة المهملات من دون تردد، وأصبح الإنسان عندنا كالغراب الذي لم يستطع أن يصبح طاووساً ولم يعد كما كان، إنه يسعى لامتلاك كل شيء وكل جديد، اعتقاداً منه أنه بهذا سيكون الأفضل والأشهر، بينما يفاجأ أن هذه الشهوة نحو الامتلاك موجودة لدى الآخرين.

وهكذا لا هو أصبح الأفضل والأشهر، ولا هو احتفظ بما كان عليه من مال وشخصية، إنه الإسراف والتبذير والجري وراء شهوة حب الاقتناء لمجرد الاقتناء، من دون البحث عن مدى أهمية وضرورية الأشياء، ومدى الحاجة إليها، إنها إشكالية، بل هي معضلة، تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

حينما تقوم بزيارة المتاحف في أوروبا تلاحظ أن هناك أجنحة يمنع فيها منعاً باتاً لمس المعروضات، وللأسف، إن الكثيرين من العرب من زوار المتاحف في الخارج " من باب الرفاهية والمظهرة "، ما إن يعود يقول لأصحابه إنه كان في " اللوفر" في باريس أو " الأرميتاج" في سان بطرسبرغ، كثيرون منهم لديهم شغف بلمس المعروضات في المتاحف.

رغم أن اللفتات المكتوبة والمنتشرة تقول إنه ممنوع، وعليك فقط أن تنظر للمعروضات من بعيد، وكأن تلك الأشياء من المقدسات التي لا يسمح لمسها، أو حتى الاقتراب منها، خشية العبث بها ممن لا يعرف أهميتها التاريخية، إنهم يحرصون على اقتناء القديم والحفاظ عليه، ونحن نحرص على التبديد والاستهلاك بلا حدود.

منظمة اليونيسكو تحافظ على التراث الإنساني فهو ملك للجميع وللأجيال القادمة، أليست هذه جزءاً هاماً من الثقافة العامة والخاصة، ولعلنا نتذكر المدينة المحرمة في الصين، التي حافظت على التراث الصيني منذ مئات السنين، ولا يزال تقديسها قائماً، بالرغم من تغير النظام السياسي على مر القرون.

إذا كان التعامل مع التراث المادي بهذا الشكل، فما هو الحال في عالمنا العربي بالتعامل مع الإنسان، إنه للأسف لا ينال الاهتمام المطلوب، فكم من مبدع في العديد من المجالات، سواء الآداب والعلوم مركون في زاوية، وتراكم عليه الغبار، وعششت العناكب عليه من دون لفتة إلى ذلك الكنز من كنوز الأمة.

لقد بلغت الجهالة إلى حد تحطيم التماثيل التاريخية في أفغانستان، وكذلك محاولة البعض تحطيم بعض التماثيل لكبار المفكرين في الوطن العربي، إن هذه الآثار ليست للعبادة، كما كان ذلك في عصر ما قبل الإسلام، لكن الجهل والحماقة، دفعت بعضاً من متبعي العصبية العمياء إلى خلق نصوص وأحاديث دينية، تحلل سلوكهم غير الحضاري.

ومن المبادرات الرائعة التي تمت في دولة الإمارات العربية المتحدة وتحديداً في دبي، حينما تم ترميم بعض الأحياء القديمة والمحافظة عليها مثل منزل المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ سعيد آل مكتوم. وحي البستكية القديم، نظراً لتميزه العمراني.

وبقيت حقيقة أخرى، أن هنالك آلافاً من الآثار لا تزال مدفونة تحت الأرض في الوطن العربي، التي قد تكشف لنا جزءاً حضارياً هاماً لهذه الأمة أو الأمم لا تزال بحاجة إلى الخروج إلى العلن، حتى ندرك كم أسهمنا في الحضارة الإنسانية، وأن البنية التحتية هي السند القوي للبنية الفوقية.

مجريات الأمور والأحداث توحي بأن هناك غيوماً سوداء قادمة نحو الشرق، وأنها قد تحجب نور الشمس عنا، وهذا ما تريده قوة قادمة من الغرب إلا أنها أخذت جزءاً من الشرق منذ وعد بلفور.

لقد نسى العالم القضية الفلسطينية نتيجة للسياسات العربية على مدى ما يزيد من نصف قرن من الزمان، وبات العرب والمسلمون ينتظرون عودة صلاح الدين الأيوبي، وهذا محال بكل الأحول، وهذه الحالة تؤكد أن معظمنا لا يزال يعيش بالماضي خوفاً من الحاضر، أو عدم الاستعداد للمستقبل، كما تفعل الشعوب والأمم الحية، إنه زمن العجائب بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

طباعة Email