منذ زمن طويل وطويل جداً أرغب في أن أبقى وحدي وربما "وحدي" تثير العديد من علامات الاستفهام والاستغراب، لماذا يلجأ الإنسان للانفراد بذاته؟! أهو الهروب من الجماعة..
وهذه التسمية تحمل العديد من المعاني، أم أنه زمن الخلاص الفردي؟!! واليأس من الجماعة، سواء الأصدقاء أو المنظمات والجمعيات الأهلية وغيرها من أشكال التنظيم والتي أثبتت فشلها بشكل مأساوي، بل لقد تسلق العديد ممن كانوا في أعلى سلم تلك المؤسسات أول فرصة لتحقيق الذات الفردي على الجماعي، سعياً لمنصب في إدارة حكومية سواء أكانت اتحادية أم محلية.
ومن هنا فلم تعد القضايا الوطنية تحتل أولويات ما يسمون بالنخبة فلم يعد حاملي الأقلام يملأونها بالحبر الأسود أو الأزرق وحتى الأحمر، بل جفت منذ زمن ليس بالبعيد، اللهم إلا قلة قليلة ممن لا يزالون يحلمون بتحقيق العدالة والحرية والمساواة بين من ينتمون للوطن الحنون والتربة التي تحميهم من غدر الزمن والبشر، لم يعد العلم هو الذي يحميهم من النائبات بل عوامل أخرى يدركها الجميع.
إن ذاكرة الإنسان وما تحمله من روايات وأحداث هي إحدى لبنات الذاكرة الوطنية وبموت الإنسان الذي يحمل ذلك التاريخ، يذوب في التراب كما يذوب جسده، فالعقل والذاكرة تصبح كشريط تم مسح ما به للأبد.
وعليه فإن على من يعلمون ذلك التاريخ من كل جوانبه أن يدونوا ذلك قبل فوات الأوان، والاعتماد أيضاً على من يعرف أولئك، إلا أن تلك المعرفة بالشخص لا تعني أنهم يعرفون كل شيء إلا المعلومات العامة وما خفي من الذاكرة كثيراً جداً.
كم من إنسان غادر هذه الدنيا وهو يحمل كنوزاً من الذكريات والأحداث، إن تدوين الذاكرة الوطنية هي في الواقع سجل من حق الأجيال القادمة أن تعرفه، وتدرك المعاناة وكيفية تحد المعوقات سواءً أكانت اجتماعية أم سياسية أم اقتصادية والتي واجهها الأوائل.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة وإصرار ماذا يعرف الجيل الجديد عن تطور المجتمع والصعاب التي واجهها الأجداد منذ قرن من الزمان، وكيف كان أولئك يهاجرون لكل أرجاء العالم بحثاً عن لقمة العيش أو بحثاً عن التعليم وحفظ كرامة الإنسان.
كانت الأرض طاردة للإنسان قبل اكتشاف الذهب الأسود وكانت الطبيعة القاسية تدفع الإنسان للهروب لمكان يجد فيه لقمة العيش والعمل، أما موسم الغوص والبحث عن اللؤلؤ في أعماق الخليج فقد قضى عليه أولئك القادمون من اليابان بصناعة اللؤلؤ مما أدى إلى تدهور المصدر في هذه المنطقة من العالم.
أما عقد اللؤلؤ والذي كان ولا يزال يزين صدور الحسناوات في أوروبا والدول الأرستقراطية فقد قضى عليه تطور العلم وخاصة في اليابان مما أدى إلى تدهور تجارة اللؤلؤ في هذه المنطقة من العالم.
إن من مهام الإعلام الوطني سواء الصحافة أو التلفزيون أو الإذاعة وغيرها من الهيئات التي تتواصل مع الناس أن تُعد الجيل الجديد وحاملي راية المستقبل بالعمل المتواصل، وأن النعم لا تدوم أبداً، فكم من أمة اندثرت وهي لم تفكر بالمستقبل، وأية خزينة مالية مآلها إلى الزوال ما لم يعمل من أجل استثمارها بشكل جيد. من خلال مشاريع تدر الأرباح بشكل منتظم.
هل كان من المتوقع انهيار الاتحاد السوفييتي بتلك السرعة وأن تصبح الولايات المتحدة الأميركية في مهب الريح وقبلهم المملكة المتحدة، على حين نهضت أمم جديدة، وهي الحاملة للحضارة الإنسانية في المستقبل، إن آفة الأمم الاستهلاك من دون إنتاج.
ألم تخسر دول المنطقة مليارات الدولارات نتيجة لحروب عبثية منذ العقد الثامن من القرن العشرين، الحرب العراقية الإيرانية وبروز فكرة الإرهاب الدولي والذي هو صناعة غربية منذ حوادث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
ومن أخطر الأسلحة الفتاكة خلق الفتنة الطائفية، كما هو الحال في هذه الأيام في مصر، والتي ظلت طوال تاريخها رمزاً للتعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين وحتى اليهود، ألم يكن المسيحي الصعيدي يعيش بسلام مع أخوانه من المسلمين، وأدهى من ذلك خلق الحروب الطائفية بين أبناء الوطن الواحد، إن هذه الأداة هي بمثابة السرطان الذي يقتل صاحبه ببطء شديد. ولا تفيد المسكنات ولا الأدوية في القضاء عليه لأنه حامل منجل الموت والدمار للإنسان.
فهل يتحمل العقلاء مهام الدفاع عن الوحدة الوطنية قبل أن تأكل نار الفتنة الجميع وحين ذاك لا ينفع الندم ونعود إلى المربع الأول نحو خلق مفهوم المواطنة بدلاً من النظرة الضيقة ذات الصبغة العصبية والطائفية ونعيد أجواء الحرب الأهلية في لبنان وسوريا والعراق وغيرها من البلدان إنها الجحيم التي لا ترحم أحداً مهما كان!!
يدرك أعداء هذه الأمة أن الأداة الفاعلة لضعفها ومن ثم القضاء عليها لابد أن يكون من الداخل لأن التهديد الخارجي يوحد الأمم لمواجهة من يحاول تدميرها، لذلك فإن المحافظة على الجبهة الوطنية الواحدة هو قارب النجاة من الهلاك. وهو الذي يؤدي للرقي والتقدم والسلام الاجتماعي.