جميعنا يدرك اليوم أهمية التوابل المتنوعة كمكون أساسي في مطابخنا التي نستمتع بها بلا شك. أنا نفسي أحب التوابل من شتى أنحاء العالم، فمن دون التوابل يفقد الطعام كل سحره. أنا أحد هؤلاء الذين يجدون متعة في زيارة الأسواق العربية للبحث عن أفضلها.

زيارة واحدة لأي سوق في أي عاصمة عربية تعد متعة لا تضاهيها أي متعة في أي مكان حول العالم. ففي الشوارع حيث تباع التوابل بأسعار مُخفضة، تنبعث رائحة مميزة من خليط التوابل المعروضة، سواء في أكياس مفتوحة أو مطحونة وموضوعة في أوعية زجاجية. بعض البلدان تتخصص بأنواع معينة من التوابل، والمكونة من الأشكال الممزوجة سوياً.

لذلك ستجد في المغرب ما يسمى محلياً برأس الحانوت، وهو خليط من أنواع متعددة من التوابل. وهي في الغالب الهيل، والجنزبيل، والقرنفل، وجوزة الطيب، والفلفل الأحمر الحلو. والتجار في سوق التوابل بمراكش يمزجون رأس الحانوت لأصدقائهم في الأكشاك القريبة منهم، التي يمكن الحصول فيها على وجبة من الخبز العربي والكفتة المعدة بمهارة، مع أكواب شاي بالنعنع.

في سوق بغداد الكبير والمثير للاهتمام تجد أحد أفضل أنواع التوابل العراقية مكوناً من خليط من كميات متساوية من القرفة، والقرنفل، والجنزبيل، والكمون، في حين تجده في سوق البصرة جنوبي العراق، محتوياً على الكمون، والكزبرة، والهال، والقرنفل، والجنزبيل، وذلك من أجل إعداد البرياني..

وهو طبق من أصول مغولية يتكون من الأرز ولحم الخروف أو الدجاج. وفي نهاية شارع يسمى سترايت في دمشق، تختلط الروائح الجذابة للعطارين مع عبق الفانيلا، وماء الورد، والفستق المحمص المنبعث من سوق الحلوى القريب.

قطر تشتهر بأنواع السمك الكثيرة، والعطارون هناك يخلطون توابل خاصة لهذه الأطباق. أنواع التوابل المستخدمة في فنون الطبخ الشرق أوسطية، لها تاريخ طويل زاخر بالألوان..

وذلك لأنه على الأقل لمدة خمسة آلاف عام، هم ونحن أيضاً نقلنا التوابل من موطنها الأصلي في أقصى الشرق إلى أوروبا، وأماكن أخرى. في الأزمنة القديمة، كانت التوابل تستخدم كأدوية، ومراهم، وعطور، وأدوات تجميل. وأصبحت جزءاً مهماً من المطابخ الراقية، فقط بعد مرحلة التاريخ المسيحي.

وقد ساد الاعتقاد بأن هذه التوابل جاءت من دول الشرق الأوسط، ولكن أغلبها في الحقيقة زرع في دول الشرق الأقصى، ثم نقلت عبر طرق نقل التوابل. طريق الحرير امتد من الصين حتى البحر المتوسط، بينما شق البخور العربي طريقه من حضرموت إلى سوريا. وكلا الطريقين استُخدما في نقل التوابل، التي تعتبر السلعة ذات المردود الأعلى لدى أخذها من مكان وبيعها في آخر.

مدينة القسطنطينية التركية أسست في القرن الرابع، بينما تأسست مدينة الإسكندرية من قبل الإسكندر الأكبر، وكلتاهما أصبحتا مراكز تجارة رئيسية. وفي عام 641 للميلاد دخل الإسلام مدينة الإسكندرية. الكثير من تجار التوابل الأوائل كانوا عرباً ويهوداً..

وفي الحقيقة فإن الرسول محمد «صلى الله عليه وسلم» ذاته كان تاجر توابل. وقد استعانت به أم المؤمنين خديجة بنت خويلد التي كانت تكبره بخمسة عشر عاماً، وهي زوجة الرسول ليعمل مسؤولاً عن قوافل تجارتها، التي سافرت إلى سوريا لجلب البضائع البيزنطية وبيعها في المغرب، وبعد زواج الرسول بالسيدة خديجة أصبح تاجراً للتوابل في مكة.

انخرط أحد اليهود ويدعى صموئيل ابن نجدلا، المولود عام 993 للميلاد، في تجارة التوابل. كان صموئيل متواضعاً ولكنه صاحب مهارات عالية في بيع التوابل، وكان يملك محلاً صغيراً في ملقا، والتي كانت جزءاً من الأندلس. وصموئيل كان تحت رعاية إحدى جاريات حبوس ملك غرناطة. وقد عينت الجارية صموئيل مسؤولاً عن كتابة رسائلها بدلاً عنها لأنها كانت أمية.

فأعجب الوزير بطريقة كتابة الرسائل، وطلب من صموئيل أن يصبح كاتبه. ثم أسند إليه منصب الوزارة، ليصبح بعدها مسؤولاً عن المملكة. الحقت تجارة التوابل المعاناة بسكان المناطق التي تنمو فيها، جراء قوى الاستعمار الوحشية والمُضطهدة.

وبقيت هولندا المنتج الأهم للتوابل، على مدى القرن التاسع عشر، وفي ذلك الوقت كما في زمن الرسول «صلى الله عليه وسلم»، كانت قوافل التجارة تواصل مسيرها من دمشق إلى الجزيرة العربية. قصة تجارة التوابل بلا شك قصة ساحرة.

وعلى الرغم من أن الغرب في هذه الأيام لا يحتاج التوابل للتخلص من طعم اللحم السيئ، فشهرة الطعام العربي، واليوناني، والتركي، والهندي، والإيطالي، عملت على توسيع نطاق الاهتمام بالتوابل بين الغربيين، ولكن إلى أي حد يعلم الغربيون كم خاطر الرجال بأرواحهم، وعانوا، وقاتلوا، وماتوا على مدى قرون عدة، لجلب التوابل إلى الغرب.