التقينا في هذا اليوم التاريخي الثاني من ديسمبر من عام 1971 م لتحقيق ما تلاقت عليه أرادتنا وإرادة شعب إماراتنا لإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، دولة مستقلة ذات سيادة

"راشد بن سعيد آل مكتوم"

رحل الشيخ راشد فقيد البلاد الكبير عنا ولم يتحدث يوماً عن إنجازاته على الإطلاق، رحل المغفور له بإذن الله وبقيت ذكراه خالدة

"خليفة بن زايد آل نهيان"

لا أعرف فيما إذا كنت قائداً جيداً أم لا، لكن ما أعرفه أنني الآن في مركـــز قيادي، وعنــــدي رؤية واضحة للمســــتقبل، تمتد قدماً إلى 20 أو 30 عاماً، لقد اكتـــسبت هذه الرؤية مـــن والدي المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي يعتبر بحــق في مقام الوالد لدبي.

"محمد بن راشد آل مكتوم"

لقد رحل عن عالمنا إلى جوار ربه في السابع من أكتوبر عام 1990م المغفور له، بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطي بن سهيل الفلاسي، ينحدر من قبيلة بني ياس، وينتمي إلى قبيلة آل بوفلاسة. ولد عام 1912م، ونشأ في كنف والده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم الذي اشتهر بالورع والتقوى وسمو الأخلاق وحبه الكبير لمواطنيه وذلك عن عمر يناهز ثمانية وسبعين عاماً قضاها في خدمة أمته ومواطنيه.

نشأ المغفور له في جو يسوده التقدير والاحترام المتبادل بين الحاكم والرعية، وفي مناخ ديمقراطي فريد يقف فيه المواطن حراً طليقاً بفكره ولسانه ومنطقه أمام حاكم البلاد، معبراً عما يجول في نفسه دونما خوف. كان راشد يراقب عن كثب أسلوب والده، المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، فاقتبس ما شاء له أن يقتبس من صور تمثل الديمقراطية كما عرفها المجتمع المحلي دونما زيف أو تلوين، تلك الديمقراطية التي كانت تنبع من منبع عربي إسلامي بدوي أصيل.

العظماء ممن سجلوا أسماءهم في دفتر التاريخ قلة ويشار اليهم بالبنان، يعتبر الراحل المقيم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم أحد هؤلاء العظماء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ جمع بين صفات القيادة الصالحة، فقد كان حكيــماً وقائداً وزعيماً ورائداً وملهماً، والعظماء يرحلون ولكن تبقى جلائل أعمالهـــم ومنجزاتهم شاهدة عصر تدل عليهم.

في مثل هذه الأيام نستدعي ذاكرة التاريخ لمطالعة الصفحات الناصعة التي يحتويها سجل هذا الرجل القامة، والقارئ للسجل الحافل بالإنجازات والمنجزات يـقـف مبهوراً ومنبهراً أمام مناقب مؤسس وباني نهضة دبي.

تجمع آراء رجال من رفقاء درب الشيخ راشد من الجيل الأول الذين عاصروه انه كان يمتلك بصراً وبصيرة نافذة، وعقلاً مدبراً وفكراً مستنيراً، إذ جمع بين الذكاء الـفطري واليقظة الذهنية والعقلية التخطيطية.

في تقديري إن الشيخ راشد يعتبر رائد التخطيط الاستراتيجي، فقد سبق الكثير من علماء الإدارة ومخططي المدن وأساتذة التخطيط الحضري، وتفيد شهادات رجال دبي الأوائل من رفقاء المسيرة أن الراحل المقيم كان يحفزهم للعمل والإنجاز للمساهمة في تشييد البنية التحتية لدبي.

وأنه كان يقود الجميع للسير بهم ومعهم في اتجاه خارطة طريق رسمها بدقة لمستقبل دبي، المغفور له كان يباشر عمله الرسمي فجراً بالقيام بجولة تفقدية لكل مناحي دبي ليتابع سير المشــاريع ويواصل لقاءاته بمجلسه العامر والمفتوح للجميع، ويعرف عنه متابعته الدقيقة عبر التواجد المستمر والمفاجأة لمواقع العمل لضمان جودة التنفيذ، في نظر هؤلاء جميعاً الشيخ راشـد كان مثالاً للأجيال التي عاصرته وقدوة للأجيال الحاضرة وسيبقى رمزاً لأجيال المستقبل.

تفيد شهادات الرعيل الأول أن مبادرات الشيخ راشد أرست القاعدة الصلبة للقطاع الخاص ليشق طريقه وينافس بيوت الخبرة والشركات الأجنبية التي تمركزت في دبي منذ طلائع الستينات، ولولا سخاء عطائه لما قام القطاع الخاص بأي دور في دبي ولبقيت وكالات الشركات الأجنبية الكبرى في أيدٍ أجنبية، كان المغفور له يبني دبي ويدعم سواعد رجــال دبي ليساهموا في عملية البناء والنهضة.

وهكذا يمكننا القول إن باني نهضة دبي أرسى الدعامة الأولى لمفهوم الشراكة والتمكين، وهي صفات لا تتيسر إلا لقلة يخصهم الله عــز وجل بفضله، حيث أجمع ذوي الرأي أن الشيخ راشد كان يحمل فكراً ذا رؤية استشراقية ترى المستقبل بعين الحاضر، وتبني الحاضر انطلاقاً من رصيد تجارب الماضي، يصفه أحد رموز جيل الأوائل بأنه كان رجل دولة وحاكماً حكيماً ونبيهاً.

ويضيف آخر إن الشيخ راشد خطط للاتحاد وكان من مؤيديه وأحد أهم أقطــابه بل مبشراً وداعية له قولاً وفعلاً.

رب قائل إن المجتمعات ترتقي وتتطور بجهود أبنائها، ولكن الدول تبنى بفضل القيادات الراشدة والرشيدة التي تفجر طاقات أفــراد المجتمع، لتدفعهم وتمضي بهم ومعهم إلى رحاب المستقبل بخطوات ثابتة وعزم لا يلين.

في يقيني إن تجربة الشيخ راشد تعتبر دليل عمل تنموي ونهضوي تستحق الدراسة والتحليل لكشف الخفي من جوانب (كاريزما) الشيخ راشد كشخصية غير مسبوقة، حملت عصا الريادة ومضت بعزيمة لا تلين نحو الأهداف، شخصية عرفت متى وكيف تتخذ القرار في المواقف الصعبة لبلوغ الغايات الأصعب.

تطل علينا هذه الذكرى العبقة ونحن أبناء هذا الوطن ما زلنا نتفيأ الظلال الوارقة لشجرة أصلها ثابت في الأرض وطلائعها تعانق أعالي السماء، شجرة دبي التي غرسها في هذه الأرض الطيبة الراحل المقيم، طيب الله ثـــراه، راشد صاحب المآثر الخالدة.. في روح الاتحاد ونهضة دبي.