ربما تكون فلسفة العطاء في فكر أبناء الإمارات قيادة وشعباً من أبرز المظاهر عبقاً في أرجاء العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه، وذلك أن أريجها لم يدع دولة أو شعباً إلا وصله شيء من خيرها، ليس لأنها تبغي رصيداً دولياً وحسابات ذاتية ضيقة، بل لأنها تدرك منذ تأسيسها أن الخير يجلب الخير، وأن العطاء لا يبلغ مداه حتى يكون ثقافة بين الأجيال، وحتى يصبح سجية بين الشعوب تندفع إليه عند الملمات، وتبادر نحو المحتاج بكونه إنساناً، وإنساناً فقط.
فلسفة تقوم على مبدأ عالمي بسيط، وهو أن الخير لا يرتبط تقديمه ونشره بين الناس بأي حدود إقليمية أو عرقية أو دينية، لأنه يتعامل في جوهره مع الإنسان، وإذا كان مضطراً فلا يجب على أي قادر أن يتردد في مساعدته، وإلا كانت معاناته لطخة سوداء في جبين الإنسانية جمعاء.
وقد تعودنا، نحن أبناء الإمارات، على هذه الثقافة التي نفخر بأنها أصبحت علامة مميزة للدولة المباركة وأبنائها، فهي صاحبة مبادرات العطاء الممتدة، السباقة في شتى الميادين، حتى أضحت الإمارات نموذجاً للعطاء الإنساني في العالم، وعمت أياديها البيضاء مختلف ميادين العطاء، حتى تبوأت المكانة المتقدمة في منظومة القوى الخيرة عالمياً، وأصبحت اليوم حجر الزاوية المهم في بناء العمل الإنساني الدولي بشهادة المنظمات العالمية.
ولعل جوهر هذه المكانة البارزة أن الإمارات تنظر للعطاء والخير والمساعدات الإنسانية على أنها أقل الواجبات نحو بني الإنسان، بل كما لخص ذلك في كلمات بسيطة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حين قال: إن "الوازع الوحيد وراء تقديم الإمارات للمساعدات الإنسانية هو حرصها العميق على المساهمة في تحقيق الخير والاستقرار والحياة الكريمة للبشر، أينما كانوا، وأياً كان عرقهم أو دينهم".
ندرك هذه الميزة وأريجها العظيم حين نعلم أن حجم المساعدات الإنسانية التي قدمتها الإمارات العام الماضي فقط وصل إلى 5.8 مليارات درهم، وقد عمت بخيرها 137 دولة ومنطقة جغرافية حول العالم، محرزةً المرتبة الـ 16 عالمياً بين الدول الأكثر عطاءً في 2012.
ولا نبالغ إذا أكدنا أن فلسفة العطاء في أجيال الإمارات قيادة وشعباً لا تقبل التفاوض أو التردد، وبالتأكيد لا تقبل المساومة على حساب آلام الآخرين، لأنها سياسة ثابتة تدعو إلى التعاون بين الدول والشعوب لتعزيز السلام العالمي، وهي تسير بخطى ثابتة على نهج المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ويواصل مسيرتها بكل ثبات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، الذي يوجه دائما بالمبادرات لتقديم العون لكل الأشقاء والأصدقاء في أوقات المحن والشدائد.
وما يعبر أيضاً عن حقيقة هذه الفلسفة الراسخة في تفكير أبناء الإمارات نشاط الدولة الإنساني في العديد من الدول المرتكز على الدعم والرعاية المتواصلين من القيادة الرشيدة، والتحرك إلى مناطق الأزمات الإنسانية والتفاعل المباشر مع مشكلاتها، والمشاركة في الجهود الإنسانية للتخفيف من معاناتها عن قرب، واستهداف الإنسان المحتاج إلى المساعدة حول العالم دون النظر إلى جنسه أو عرقه أو دينه.
هي ثقافة تربت عليها أجيال، ولا زالت، وستظل بإذن الله تعالى متجذرة في صميم التفكير الإماراتي الأصيل، لأنها لا تنظر إلى قيمة العطاءات المحسوبة، ولكنها تقدر قيمة المساعدة الإنسانية المطلقة، التي تخلد ذكرى الشعوب والبلدان، لا سيما ونحن نرى براغماتية بعض الأشخاص، وحتى بعض الدول تدفعها إلى حسابات ضيقة حتى في العطاءات، ومقاييس وموازيين واعتبارات تذهب بريق العطاء الإنساني وتحرفه عن مقصوده.