كم هي الحياة بلا حياة، والأيام تمر بطيئة كذاك القطار الليلي الذي يقف في كل المحطات، حتى لو لم يكن هنالك من يركب أو ينزل منه، وكأنه تعوّد على القيام بالحركة نفسها يومياً، وكأنه آلة صماء من دون شعور ولا إحساس بالرغم من أن قائدها إنسان لكن نمطية العمل هي السائدة.
يدرك الإنسان حينما يفقد الأم أنه أصبح بلا حواجز تحميه من غدر الزمان.
في هذه اللحظة أدرك معاناة أبي الذي فقد رفيقة دربه منذ وقت طويل، بات وحيداً بالرغم من وجود العديد من الأحفاد والأولاد حوله.
هي الأم التي ترتمي في أحضانها في كل الأوقات، وينتشر في كل جزء من جسمك الأمان، وحين ذاك تبحث عن أقرب ما يعوضك، وكانت أمي فاطمة أم زوجتي والتي كنت وما أزال أشتاق إليها بالرغم من مرور العديد من السنوات على رحيل الجسد إلا أن روحها معي دائماً فهي التي تبث في روحي الحياة. وكم كنت أشتاق لزيارتها يوم الجمعة، حين ذاك يتواجد الجميع في ظل وجودها الإنساني الرائع.
وكما فقدت أمي ذات يوم. فقد وجدت من كان يعوضني حنانها وحبها بعد سنوات قليلة، وبت بلا أم تحميني من الزمن، كم هو قاسي الزمن على الإنسان ممن يعيش في كتف الحنان، ذلك الإنسان الباحث عن العائلة منذ طفولته وتتلاعب به الأقدار وكأنه زهرة خلعت من غصن الوردة الجميلة.
كان الحل للخروج من هذه الأزمة المأساوية الانخراط والانغماس في العمل العام، والتركيز على التدريس في الجامعة، حيث يتم اللقاء مع الأجيال الشابة، سواءً من الذكور أو الإناث، والعودة من مدينة العين يوم الثلاثاء من كل أسبوع، ويكون اللقاء مساءً مع ذاك الصديق الذي لا يُنسى وهو المفكر والإنسان الرائع غانم عبيد غباش وفي الكثير من المرات كان معنا والده الرائع والمحب للحياة عبيد غباش، ذلك الإنسان الذي استمتع بحياته كلها، وحين رحل عن هذه الدنيا كنا في مدينة الضباب لندن، تلك المدينة التي تجعلك ضائعاً حتى مع نفسك.
وهنا يبرز من دون مقدمات ذلك الإنسان الذي عمل من دون كلل أو ملل في مجال الصحافة شوقي رافع، ممن قدم الكثير للصحافة في الإمارات وخاصة الأيام الجميلة للأزمنة العربية، والتي ساهمت في إبراز وتبني العديد من الكتّاب ممن يساهمون في الإعلام اليوم.
ولعل من الإخلاص لإنسان عشق الصحافة وقدم الكثير لها هو الرائع منصور عبدالرحمن، ولا أدري أين هو الآن، هل انطوى في عالم النسيان أم أنه لا يزال يحمل راية هموم الإنسان، بالرغم من أنه من أسرة ذات جاه ومكانة في المجتمع، أليست هذه الحياة يا صاحبي قاسية بالرغم من حلاوتها.
ومن الأصدقاء القدماء ممن حمل هموم الإنسان ذلك الإنسان إبراهيم مبارك والذي لا يزال يحمل قلمه أسبوعياً ليكتب حول هموم البحارين وأهل الجميرة، تلك القرية التي أخرجت رجالاً يحملون راية الدفاع عن الوطن والإنسان. تحية من القلب إلى كل الأمهات وإلى بناتنا ممن لم يزلن يرفعن راية الحياة.
قد يعتقد البعض أن اللون الأسود هو الحزن والظلام ولا يدرك أن الشمس سوف تشرق من جديد وإن النسمات تنعش الإنسان حينما يكون وحيداً، وحين ذاك يتذكر مجدداً أن راية الحرية والوطن سيحملها أفراد آخرون لا يقل فيهم حب الوطن والإنسان عمن سبقهم في الحياة. وإن الظلم والقهر لا يمكن أن يستمر للأبد، فكل قيد لابد أن ينكسر.
وإن الفجر قادم وإن طال الليل، والقوى التي تعتقد أنها تهيمن على الكون سوف تنهار من الداخل، إن التاريخ يعلمنا كم من الحضارات قد أصبحت جزءاً من تاريخ البشرية، وجاءت بعدها أمم أخرى أكملت المسيرة، وأن النهضة الإنسانية في القرن السادس عشر هي التي أنارت الطريق سواءً في باريس وموسكو وبكين وكذلك في بغداد ودمشق والقاهرة والرياض، وأبوظبي والمنامة وغيرها من المدن العربية.
الأم التي أنجبت الطغاة أو القتلة هي أيضاً الأم التي أنجبت عظماء الإنسانية، وهي التي أرضعت ذلك الطفل الذي غير التاريخ في بقعة مجهولة من العالم. ومن المؤسف أن الأمهات دائماً في الظل، فمن منا يتذكر أمهات القيادات التي غيرت العالم اللهم إلا ما ندر وهو نكران للأنثى التي تهز سرير الطفل وباليد الأخرى توفر طعام الأسرة.
الأم هي التي تغير العالم، فهل للحياة طعم من دون وجود المرأة وهل يستطيع الرجل الإنسان العيش من دون رفيقة الدرب وهي التي تسهر على الأبناء في حين أن الرجل بعيد عن ذلك الهم الأكبر.
المرأة تسعى بكل قوتها للمحافظة على كيان الأسرة وأن ترى أبناءها في أحسن الحالات، سواء التعليمية أو الحياتية أو الصحية، وعلينا قراءة مكسيم جورجي من جديد لندرك كم هي عظيمة تلك الأم أو تلك المرأة وأن نرفع الراية البيضاء أمام عظمة المرأة الأم الابنة والزوجة، وإلا كنا أشد ظلماً من تاريخ البشرية ذات الطابع الذكوري. وحذاري من التطرف على كل حال.