كانت للون الأحمر دلالات مختلفة في ما سبق، فأعلام معظم دول العالم فيها ذلك اللون المميز وبعضها أحمر بالكامل، وكان من المتعارف عليه إطلاق وصف "الحمر" على أولئك الذين ينتمون للأحزاب الشيوعية من العالم والوطن العربي.

بل إن هنالك أسراً عربية تطلق عليها عائلة الحمر، وهم بالطبع ليسوا ممن يرفعون رايات الاشتراكية والشيوعية. ومنهم على سبيل المثال المغفور له بإذن الله تعالى عبد الملك الحمر، وغيره كثيرون ممن يحملون اسم هذه العائلة، وهناك أكثر من عائلة تحمل نفس هذا المسمى في معظم دول مجلس التعاون الخليجي.

ويوم الحب العالمي، يتميز باستخدام اللون الأحمر أيضاً، ولا ننسى السجادة الحمراء التي تفرش ليمر عليها رؤساء الدول والشخصيات الهامة، سواء في المطارات أو غيرها من الأماكن.. ومن الأندية المشهورة في الإمارات النادي الأهلي وشعاره اللون الأحمر، على حين أن نادي الشباب العربي لونه الأخضر.. وهكذا فكل نادٍ له لون مميز يختلف عن غيره من الأندية.

وقد استخدم هذا اللون أيضاً ممن امتهن أقدم مهنة في التاريخ، ألا يدل هذا على أهمية اللون الأحمر في حياة الشعوب! كما أن إطلاق اسم الهنود الحمر على سكان أميركا الأصليين، يصب في الخانة نفسها.

هذه الجولة الطويلة حول اللون الأحمر، فرضت نفسها حينما ازدادت إراقة الدماء في بعض الدول العربية، فلم يسلم من القتل الأطفال ولا النساء ولا كبار السن، فها هي بغداد تغرق في بحيرات الدم، بغض النظر عما إذا كان الفاعل من الداخل أو الخارج. ولا يتعظ أولئك الفاعلون بما جرى عبر التاريخ، وكأن سفاح بغداد لا يزال على قيد الحياة ويحتاج إلى المزيد من الدم الأحمر!

ويعاني الإنسان العربي وغيره في سوريا من حمامات الدم بشكل يومي فاقع، سواء عن طريق السيارات المفخخة ومختلف وسائل القتل والدمار دون رادع.. وكأن كرسي الحكم أهم من الشعب.

هل كتب على الإنسان العراقي منذ أيام الحجاج حتى يومنا هذا، أن يظل تحت سلطة الرعب كما كان لسنوات وعقود أو في الماضي البعيد، وأن يعاني من كافة أشكال الاضطهاد، وهو الذي يعيش في بقعة من الأرض فيها الماء والمواد الهامة مثل النفط والغاز وغيرهما، إضافة إلى وجود العقول المبدعة والتي استفادت منها معظم الدول التي هاجر إليها الإنسان العراقي.. أليس العراق هو بلد التعددية الدينية والمذهبية والفكرية إضافة إلى تنوع المناخ من الجنوب إلى الشمال؟!

إن مصيبة العراق أنه يقع بين دول مختلفة ولكل منها طموحات وأجندات مختلفة، فمتى يدرك أهل العراق أن فرص النمو والتنمية لا تتحقق إلا في حالة السلام والاستقرار والتعايش السلمي بين أبنائه، وأن مصاصي الدماء لن يجلبوا الا مزيدا من الدماء والدمار؟!

ألا تكفي خمسة عقود أو تزيد من استنزاف البشر والثروات وسيادة نفسية الإنسان المهزوم والمقهور؟ ألا يخشى أولئك من ثورة جديدة تحرق الأخضر واليابس ويتبخر معها حلم إنسان يحب الحياة وتحترم إنسانيته البشرية؟ أم أن رائحة الدم تنعش أولئك القتلة!

وبالإضافة إلى العراق وسوريا، نشاهد ما يحدث في السودان من مجازر وصراعات لأسباب مختلفة، والضحايا في غالبيتهم هم من البشر العاديين، وكأن المكتوب عليهم أن تسفك دماؤهم في سبيل تحقيق نصر واهن لغيرهم، ومن جانب آخر هناك اليمن "السعيد"، والذي للأسف لم يعد كذلك، حيث ينحر الإنسان بدم بارد من قبل أولئك الذين اختاروا العنف وسفك الدماء سبيلا للسلطة والهيمنة، على حساب الأبرياء ومصالح الشعب والوطن.

ألا يكفي كل ذلك، وغيره كثير، ليغير دلالات اللون الأحمر، وينزع عنه ما كان يمثله من المعاني والمشاعر الإيجابية!