هناك مصطلح يشير إلى أن من يكلف أو يتطوع أو يلزم بحمل السلاح أياً كان نوعه، ليمارس العدوان ضد جهة ما لصالح جهة أخرى، نظير مبلغ من المال أو مكافأة مقطوعة أو دون مقابل، يعتبر "مرتزقاً".
وهي الحالة التي لا يستطيع أو لا يرغب فيها المحارب المعني أو المكلف بالحرب، شن الحرب أو الاقتتال وحده مع خصم معروف ومحدد.
والتاريخ مليء بحالات لأناس أشعلوا نيران فتن أو صراعات أو حتى حروباً، وهم لا مصلحة لهم أبداً في نتائجها أو محصلتها النهائية، وآخرين وظيفتهم إشعال فتيل نيران الحروب وفتح جبهات للقتال على مستوى القارات الخمس.
وفي عصر الاستعمار البريطاني أقحم أبناء الدول التي خضعت للحكم الإنجليزي، للعمل تحت قيادة ضباط بريطانيين، ليقوموا بالعمل تحت العلم البريطاني كجنود تناط بهم الحرب بالوكالة، وهنالك آلاف ممن زج بهم في أتون الحروب الإقليمية.. كحرب البلقان والصحراء الكبرى أو حرب النهر..
ويرى قدماء العسكريين أن بعض الدول تضطر لإرسال جنود من دول أخرى، لدخول مواقع عمليات عسكرية دفاعاً وذوداً عن كرامة الوطن ولصد أي هجوم متوقع، أو لمساعدة دولة صديقة أو شقيقة تعرضت لعدوان أو غزو خارجي مباغت، إلا أن هنالك دولاً استعانت لأي سبب من الأسباب بمن ينضم إلى صفوفها من الأغراب، أي من غير مواطنيها، وهنالك حالات تولى فيها بعض الشركات المتخصصة جلب "مرتزقة" من دول أخرى لدعم قوات مقاتلة، نظير أجر يومي خالٍ من أي تأمين على الحياة، بمعنى أن من قبل العمل كجندي بالوكالة، عليه أن يحمل حياته بين كفيه ويتحمل أي نتائج.
وتفيد تقارير صدرت أخيراً أن العقيد القذافي تعاقد مع مئات الأفارقة من دول الجوار، للمحاربة إلى جوار أنصاره ضد الثوار الذين ثاروا على طغيانه.. ولما سقط نظام القذافي ولقي مصرعه في لحظة يأس، هربت فرق المرتزقة الأفارقة، وطاردهم الثوار داخل وخارج الحدود الليبية، كما ألقي القبض على البعض وما زالوا رهن الاعتقال لحين البت في مصيرهم.
والشاهد أن تفشي البطالة وانتشار الفقر والحاجة القصوى لما يسد الرمق، أصبحت تدفع آلاف الناس لممارسة الارتزاق بجميع أشكاله، وفي بلدان عديدة هنالك من هم على استعداد لبيع أطفالهم وأعضائهم، والتنازل عن زوجاتهم من أجل حفنة من الدولارات.
تقودنا هذه المداخلة إلى عصر الألفية الثالثة والفضاء المفتوح وعصر نهاية التاريخ، وفق تقويم "المايا"، وهي حقبة تاريخية جاءت بعد نهاية الحرب الباردة، وسقوط حائط برلين وتفكيكك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية بأسرها، حقبة سعد سكان المعمورة بها ظناً منهم أن حقبة تاريخية أطلت مع طلائع "النظام العالمي الجديد"، فإذا بالنظام الجديد يجد من الذرائع ما يدفعه لشن حروب جديدة، بادعاء مكافحة الإرهاب الدولي وملاحقة قادته، أو تحت ذريعة كشف وتدمير أسلحة الدمار الشامل، كما تم رسم واختلاق مبررات وهمية لغزو وتدمير العراق، وتم بالوكالة توقيع مجموعة من العقود مع شركات مشبوهة تتولى مهام أمنية وتنفيذية لتقليل تكلفة موت الجنود الأميركيين إلى أدنى معدل ممكن..
وأخيراً سحبت أميركا جنودها والمرتزقة الذين عملوا لخدمتهم، ودفع العراق الفاتورة كاملة، دماً جرى في الطرقات أنهاراً... 480 ألف عراقى لقوا حتفهم، أطفالاً ونساءً وشيوخاً وشباباً، وترملت مئات النساء، وما زال دخان البارود يتصاعد مع احتراق السيارات المفخخة، والأحزمة المتفجرة، وتصاعد نيران حرب طائفية زادت النار اشتعالاً..
ويبقى السؤال؛ لماذا لم تتوقف الحروب على مدى التاريخ؟ وهل قدر الإنسان أن الحرب لا مناص منها في أي عصر من العصور.. أم ماذا؟
تشير التقارير المنشورة إلى أن في العالم الآن 20 منطقة محتدمة فيها حروب واقتتال، وأن 60 منطقة في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط قابلة للاشتعال في أي وقت، بل إن إمكانية نشوب الحرب العالمية الثالثة محتملة في أي وقت، ذلك أن الإنفاق على التسلح يفوق تكلفة الحاجة للطعام بثلاثة أضعاف، ولو أنفقت الدول النامية 3% مما تنفقه على السلاح والتجهيزات للحرب من آليات ورواتب لأفرادها.. لما بقى جائع أو عاطل أو لاجئ أو مشرد.
ولكن يظل ذلك مطلباً مستحيلاً، لأن الدول الصناعية الكبرى التي تمتلك وتدير إمبراطوريات مصانع السلاح، ليس من مصلحتها أن تتوقف الصراعات في شتى بقاع العالم حتى لا تتوقف مصانعها عن الدوران، لأن تجارة السلاح والمخدرات واللحوم، تعد الأكثر ربحاً على مستوى التجارة الخارجية العالمية، وأن الحاجة لأي منها لم ولن تتوقف.
ولهذا فإن القضاء على هذا الثالوث أو إبطال الحاجة إليه يبقى من المستحيلات، وكل جهود تبذل لإسكات أصوات البنادق أو الامتناع عن أكل اللحوم أو الكف عن التعاطي، لا تجدي فتيلاً في هذا الزمن العبثي.. زمن عصر العولمة والنظام العالمي الجديد والموت الجماعي.