رغم أي تحفظات على ما قاله الرئيس الأميركي أوباما عن مصر من فوق منبر الأمم المتحدة هذا الأسبوع، فالذي لا شك فيه أنه يمثل تراجعاً عن موقف واشنطن من ثورة 30 يونيو ودعمها لجماعة الإخوان خلال عام حكمهم الكئيب أو بعد سقوطهم المدوي.

اعترف أوباما بأن عزل مرسي جاء استجابة لمطلب الملايين، بعدما فشل في أن يكون رئيساً، وأنه وإن كان تم انتخابه ديمقراطياً إلا أنه أثبت أنه غير قادر في أن يحكم بطريقة تشمل الجميع. وفي المقابل قال أوباما إن الحكومة الانتقالية استجابت لرغبات الملايين الذين آمنوا بأن الثورة (خلال حكم مرسي) أخذت منحى خطأ. وأضاف أن الولايات المتحدة ستبقي على علاقات بناءة مع الحكومة الانتقالية.

ورغم أن أوباما تحدث عن إجراءات استثنائية من خلال قانون الطوارئ وأشار إلى عدم إرسال أجهزة عسكرية معنية وممارسة بعض الضغوط لإنهاء المرحلة الانتقالية وعودة المسار الديمقراطي، إلا أن الخطاب بمجمله يمثل خطوة للاعتراف بالأمر الواقع، وتراجعاً عن سياسة انكشف تناقضها وانتهازيتها. فلم يكن ممكناً الاستمرار في تجاهل إرادة الملايين التي خرجت في 30 يونيو لتسقط حكم الإخوان الفاشل.

ولم يكن ممكناً الاستمرار في اعتبار انحياز الجيش المصري للثورة في يناير 2011 عملاً رائعاً ومشروعاً، بينما انحيازه لثورة الشعب في 30 يونيو ليس كذلك.

والأهم من ذلك أنه لم يكن ممكناً أن تخوض مصر حرباً شرسة ضد الإرهاب الذي تمدد في سيناء بثقل دعم مرسي أثناء حكمه، بينما واشنطن تستمر في دعم الإخوان وهم يعلنون التحالف مع جماعات الإرهاب، ويؤكدون أن العمليات الإرهابية لن تتوقف إلا إذا عادوا للحكم.

ولا شك أن صمود مصر شعباً وجيشاً أمام كل الضغوط الخارجية، وكل عمليات التخريب والممارسات الإرهابية من جانب الإخوان وحلفائهم في الداخل، كان هو العامل الأساسي في تغيير موقف أميركا وغيرها من دول أوروبا والعالم.

في المقابل تأتي هذه المتغيرات المهمة لتمثل صدمة جديدة للإخوان وحلفائهم، وكان طريفاً أن يقول بعضهم إن تعديل الموقف الأميركي يؤكد أن أميركا كانت ضالعة فيما حدث في 30 يونيو، وينسى هؤلاء كل ما فعلته أميركا لدعم "الإخوان" للوصول إلى الحكم.

كما ينسون حملات تسول التدخل الأميركي ضد السلطة الانتقالية سواء باستجداء الدم، أو بمحاولة العبث بالملاحة الدولية في قناة السويس. يتصور الإخوان أننا نسينا كل ذلك، ولا يتصورون أن آذاننا مازالت تسمع صيحات "التكبير" التي أطلقوها حين قيل لهم إن البوارج الأميركية تقترب من سواحل مصر، مهنئين أنفسهم بالعودة المستحيلة.

صدمة الإخوان من تطور الموقف الأميركي، تترافق مع صدمة أكبر على الأرض، بعد أن فشلت كل محاولات تعطيل الحياة في مصر، وبعد الضربات المتلاحقة لبؤر الإرهاب سواء في سيناء أو في قلب الوادي، وبعد أن أصبحت تظاهرات الإخوان بهذا الضعف، ومع دستور قادم يمنع الخلط بين السياسة والدين.

وتتضاعف الأزمة حين يصبح الوضع القانوني للجماعة وحزبها محل تساؤل. فقد صدر هذا الأسبوع حكم بحظر تنظيم جماعة الإخوان ومصادرة أموالها ومقراتها. ورغم أن الحكم يمكن تنفيذه فوراً إلا أن الحكومة فضلت التريث، خاصة أن هناك وجهة نظر تقول إن هذا الحكم القضائي لا يعني حل الجماعة الذي يستوجب حكماً قضائياً آخر من المحكمة المختصة وهي محكمة القضاء الإداري.

يضاف إلى ذلك إن الأمر في النهاية لن يمس إلا مقرات الجماعة، أما الأموال فتدار بصورة سرية. وبالتالي فإن الجدوى الأساسية من الحكم هي الجانب المعنوي الذي قد يحد من نشاط الجماعة، ولكنه لن يمنع بالطبع العمل السري الذي تتقنه الجماعة.

في مواجهة كل هذه الأزمات تتحرك الجماعة في الخارج، وفي وقت واحد تتواصل اجتماعات التنظيم الدولي ما بين تركيا وباكستان في محاولة لإنقاذ الوضع. في اسطنبول تجتمع منظمات عديدة تابعة للإخوان مع ممثلي الجماعة في دول عديدة لبحث ما أسموه "الموقف الدولي من التحولات الديمقراطية في دول الربيع العربي"،.

لكن المؤتمر يركز "على كيفية تعامل تيارات الإسلام السياسي وجماعة الإخوان مع مستجدات الأوضاع في مصر"، وذلك بعد أن كان من المفترض أن يشمل البحث الأوضاع في ليبيا وتونس بجانب مصر.

في الوقت نفسه ينعقد مؤتمر آخر بعيداً عن الإعلام في مدينة "لاهور" بباكستان، حيث تستضيف "الجماعة الإسلامية" هناك التنظيم الدولي للإخوان بهدف بحث كيفية التعامل مع الأوضاع في مصر.

مشكلة الجماعة التي عاشت سنين طويلة وهي تمارس أقصى درجات "البراغماتية" أنها تخضع في السنوات الأخيرة للتيار القطبي (نسبة إلى سيد قطب) الذي سيطر تماماً على القيادة وأبعد كل صوت معتدل داخل الجماعة. في غياب المرونة السياسية، ومع صدمة السقوط الرهيب في مصر، ومع تورط الجماعة في تحالفات مع جماعات الإرهاب في مصر.

وفي دول أخرى، يبدو أن تيار التشدد والمواجهة مازال مسيطراً، خاصة في ظل مخاوف تتصاعد لدى هذا التيار من تكرار السقوط في دول أخرى بعد مصر، ومن تراجعات وهزائم ليس في تونس وليبيا فقط، وإنما أيضاً في سوريا وربما في السودان الذي بدأت الأوضاع فيه تشتعل ولا أحد يدرى إلى أين تقوده!!

الاستمرار في طريق المواجهة في مصر لا يعني إلا استكمال الانتحار السياسي. ولا يعني إلا المضي في التحالف مع جماعات الإرهاب، كما يعني في النهاية توريط "حماس" في صراع سوف يكون ثمنه فادحاً.

من الناحية الأخرى، لا تبدو الجماعة حتى الآن مستعدة لمراجعة حقيقية للتجربة تتجاوز صدمة السقوط، وتستعيد التوازن، وتعترف بالأخطاء وتعتذر عنها، لتفتح أبواب المشاركة من جديد بعد أن تتخلص من القيادة التي أوصلتها إلى هذه النهاية المأساوية.

بين صدمة السقوط، وصدمة أوباما بعد الرهان عليه، وسيف الحظر القانوني بعد الحظر الشعبي الذي انفجر في وجه الجماعة.. تصر "المحظورة" على الانتحار، ولا يجد التنظيم الدولي إلا طريق التآمر والإرهاب الذي يبدأ من "إسطنبول"، ولا ينتهي في "لاهور" أو قندهار!!