ها قد رُفعت الأعلام البيضاء في كل مكان، سواء في بغداد، دمشق، القاهرة، بنغازي، وصنعاء، معلنة عن انتهاء حكم العسكر من دون أسف، إضافة إلى إفلاس معظم القوى السياسية التقليدية المعروفة في الدول العربية، فما هو المطلوب أيضاً؟! هل هي نهاية مآسي الانقلابات العسكرية ؟!
في المرحلة الاستعمارية، سواء البريطانية، أو الفرنسية، وغيرها كان السائد في عقلية النخبة وعامة الناس، أن التخلف أسبابه القوى الخارجية المهيمنة على الأوطان، والمستويات الهابطة من التعليم وانعدام التطور، وترسخ القيم السلبية للعمل، وعوامل أخرى تكبل الشعوب العربية بالأغلال وتستنزف ثروات الوطن العربي، كما كان الحال في القارة الهندية ودول غيرها.
لقد كان على الإنسان العربي في الحقبة الاستعمارية أن يتخلى عن عقله وتفكيره، ويصبح والعياذ بالله بهيمة تجري وراء العُشب والماء فقط، لقد كانت هموم البشر الرئيسية هي البحث عن لقمة العيش.
والابتعاد بأكبر قدر ممكن عن السياسة، لأنهم لم يكونوا يفهمون فيها أي شيء سوى ما يقوله كبراء المجتمع في المدينة والقرية، مع ملاحظة أن بعض الأحزاب السياسية في الوطن العربي قد ظهرت وتأسست في تلك المرحلة، وبعضها كان له أنشطة بارزة وفعالة ومشاركة واقعية في الحياة السياسية، ولعل من المؤسسات التي ظهرت أيضاً خلال تلك المرحلة كانت الجامعة العربية، لكن كل هذا كان في إطار الاستعمار الأجنبي وتحت هيمنته.
كل المعاول الهدامة أتت من أقصى أطراف العالم تستهدف بلدان العرب من المحيط إلى الخليج العربي، ونجحت في حصر الإنسان العربي في منطقة الجهل والتخلف والحيلولة دون خروجه للعالم المتحضر، النظام التعليمي في كل مراحله آنذاك لم يكن يعد الإنسان لمسيرة النهضة، وبمرور السنوات أدركت الطبقة الوسطى أن الخلاص من الجهل والتخلف يكمن في التركيز على التعليم، وأن يصبح متاحا للجميع، وفي كل المراحل حتى الجامعية.
ورغم التحرر من الاستعمار والخروج إلى دائرة التحضر والمدنية إلا أن مجتمعاتنا العربية عادت الآن لعصور ما قبل التاريخ، عادت للهمجية والقتل والطائفية المقيتة، لقد أصبح قتل الأبرياء بدم بارد سمة بعض المجتمعات العربية، وباتت رائحة الدم وأشلاء البشر تزيدهم نشوة وانتعاشا، وبات من الطبيعي مشاهدة تلك المناظر من دون أن يرف الجفن أو يرتعش البدن، إنها كما يسميها أصحاب المسرح "الكوميدية السوداء القاتلة".
ولعل مفكري المسرح العربي، قد أعدوا عروضاً مسرحية رمزية تتناول أوضاع المجتمعات العربية المعاصرة وقتها، حتى يستطيعوا الخلاص من هيمنة الرقابة في وزارات الإعلام حينذاك.
إما الطاعة أو الموت، ولا طعم للحياة، بل هي السوداوية، لقد ساد اللون الأسود في معظم بقاع العالم.. إنها نهاية الوسطية، وبروز التطرف بكل أطيافه اللعينة.
حينما طغت قيمة المال وحبه، تلاشت الرحمة والإنسانية، وأصبحت القلوب والعقول أشد صلابة من الحجر، بل هي بلا إحساس أبداً، وأدرك العرب بالدرجة الأولى أن من يحكم العالم هو المال، وقد استنتجوا ذلك من هيمنة اليهود على العالم من خلال رؤوس الأموال، ولعل كتاب "رأس المال" للمفكر الألماني "كارل ماركس" قد فتح الأذهان إلى ذلك.
ومن هنا فقد يلجأ العديد من البشر، وخاصة في الدول العربية، وربما الإسلامية إلى العهد القديم.. أيام الحلم والسعادة، والاستماع إلى أم كلثوم، وعبد الوهاب، وعبد الحليم، وناظم الغزالي، وعوض الدوخي، وفريد الأطرش، واسمهان، وغيرهم من عمالقة الأعمال الراقية في زمن الفن الجميل، وربما تناسى هؤلاء أن ذلك الإبداع كان في عهد الهيمنة العسكرية على الدول العربية، بما كان يسمى حينذاك " الاستعمار الوطني"!!
هل يعيش الإنسان مرحلة جلد الذات، والبكاء على الأطلال، وتمني العودة إلى مرحلة ما قبل الاستقلال، وشعارات التحرر، والمساواة، والعدالة، وكأن التقدم العلمي في مجال الاتصال والتواصل يساعدهم على العيش في الخيال، والهروب من الواقع المرير، وأن الهروب من المواجهة هي سمة من سمات الإنسان الجبان والمقهور في الوقت ذاته.
في الحقيقة إن الهروب من الواقع لن يحل المشكلات ولن يخفف منها بل على العكس، ستكون كالهواء المنعش لها، وأقصد هنا تفاقم المشكلات، مما ولد مشكلات أخرى.
إذاً الحل في إيجاد آليات جديدة تنقذ الإنسان وتخلصه من العذاب والألم، والعودة إلى مواجهة الإحباط، وتحليل عوامله، ومن ثم وضع تصور قد يكون طويل الأجل لإعادة الحياة للإنسان المقهور، وحتى لا نعود من جديد لمرحلة العبودية والتي حاربها الإسلام وكل الديانات السماوية، ومفكرو تحرير الإنسان من القيود والأغلال.