تخوض مصر في هذه المرحلة الحرب على جبهات عديدة. ففي الوقت الذي تقاتل فيه الإرهاب، يجري العمل لإنقاذ الاقتصاد الذي كان قد وصل إلى حافة الكارثة. وفي الوقت نفسه يجري التأسيس للنظام الجديد من خلال تنفيذ خريطة الطريق بدءاً من وضع الدستور وصولاً إلى انتخابات البرلمان والرئاسة.
الحرب ضد الإرهاب تتصاعد. ولم تعد سيناء وحدها هي مسرح العمليات. فمع ضراوة الضربات التي يوجهها الجيش للجماعات الإرهابية، تحاول هذه الجماعات توسيع مسرح العمليات بالضرب في عمق الوادي، وتصل عملياتها إلى قلب القاهرة مع محاولة اغتيال وزير الداخلية.
ويتزامن ذلك أيضاً مع محاولات خلق بؤر إرهابية داخل المحافظات، كما حدث في قرية "دلجا" بصعيد مصر وقرية "كرداسة" القريبة من أهرامات الجيزة واللتين تم تحريرهما الأسبوع الماضي. في "دلجا" ارتدى الإرهاب ثوباً طائفياً، وتم حرق الكنائس ومنها واحدة أثرية تعود إلى 1300 عام، وارتكبت حوادث قتل بشعة، وتم فرض الجزية على الأقباط، وخضعت القرية لسطوة بعض الجماعات التي تدعي أنها "إسلامية" مع بعض العصابات الإجرامية.
وفي "كرداسة" كانت المذبحة الشهيرة لضباط الشرطة بعد اقتحام مركز الأمن هناك، وتم التمثيل بالجثث، ثم خضعت المنطقة لسطوة الجماعات المتطرفة التي فرضت نفوذها بالقوة وبعيداً عن سلطة الدولة.
ووسط ضراوة المعركة ضد الإرهاب، والتي تحقق فيها الدولة تقدماً كبيراً تخوض مصر معركة أخرى لإنقاذ الاقتصاد وسط ظروف بالغة الصعوبة. فالسياحة الخارجية شبه متوقفه، وهي التي توفر 2.5 مليون فرصة عمل مباشرة، ومئات المصانع كانت قد توقفت عن العمل، ومئات الآلاف من العمال عادوا من ليبيا، والعجز في الموازنة وصل حد الخطر بالفعل، والاستثمارات الجديدة تنتظر استقرار الأوضاع.
كان الدعم العربي (من الإمارات والسعودية والكويت) عاملاً مهماً في بدء جهود الإنقاذ. وفي هذا الأسبوع تم الإعلان عن مجموعة مشروعات لتنشيط الاقتصاد بما يزيد على ثلاثة مليارات دولار، وبدأت جهود إعادة المصانع المغلقة للعمل، ولم يكن ممكناً إهمال الوضع الاجتماعي فكانت هناك إجراءات عدة لتخفيف المعاناة عن محدودي الدخل آخرها، اعتماد حد أدنى للأجور قدره 1200 جنيه.
على الجانب السياسي تدور المعركة الأهم لإجراء التعديلات على الدستور والتي ينتظر أن تصل إلى أن تكون أمام دستور جديد بالكامل بدلاً من "دستور نص الليل" كما يطلق المصريون على دستور 2012 الذي تم تعطيله. وكان المفروض أن يتم إلغاء هذا الدستور الكارثي، لكن الحرص على وجود حزب "النور" السلفي في المشهد كان وراء الاكتفاء بتعطيله وإجراء التعديلات عليه.
ومع ذلك فالتعديلات بالقطع ستتناول معظم المواد الأساسية، والأهم أن الروح التي سيصاغ بها الدستور ليست تلك التي سادت في العام الماضي أثناء عملية "اختطاف الدستور" في غياب كل القوى السياسية المدنية، والتي كانت تستهدف شيئاً واحداً هو تغيير هوية مصر وفتح أبواب "التمكين" لمن يعتقدون أن "قندهار" هي المثل الذي يحتذى!!
لجنة الخمسين التي تقوم بإجراء التعديلات الدستورية تختلف. إنها تمثل مصر التي تعرفها بكل توجهاتها وتياراتها وبكل المصالح الاقتصادية، وبوجود جيد للمرأة والشباب والأقباط ومناطق الحدود في النوبة وسيناء. خريطة جيدة لمصر يتواجد فيها الأحزاب الإسلامية "حزب النور" بعد أن غاب الإخوان، ومع حضور قوي للأزهر (ثلاثة أعضاء) بالإضافة إلى عالم كبير في فقة الدين (الدكتور الهلالي) وأحد القيادات السابقة في الإخوان (الدكتور كمال الهلباوي).
حزب "النور" ليست له قضية إلا المادة 219 في الدستور المعطل والتي تم إقحامها في الدستور لتفتح الباب لتطبيق الشريعة الإسلامية بالرؤية التي يريدونها.
التوافق تام في اللجنة علي مدنية الدولة، وعلى صيانة الحريات العامة، وعلى كفالة حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى تأكيد أن كل المواطنين سواء.
نظام الحكم سيكون في الأغلب مختلطاً بين الرئاسي والبرلماني. الرئيس ينتخب من الشعب مباشرة، ورئيس الوزراء يختاره البرلمان، والسلطات موزعة بحيث تقطع الطريق على أي احتمال للاستبداد بالسلطة، وإن كان الأمر يتطلب ضمانات دستورية صارمة تمنع أن تتحول الخلافات إلى صدامات.
الاتفاق تام أيضاً على العودة إلى منع قيام الأحزاب على أساس ديني. البعض يرى أن تعيد الأحزاب "الإسلامية" الموجودة على الساحة توفيق أوضاعها وفقاً لما يقرره الدستور، لكن الرأي الأغلب أن تستمر هذه الأحزاب، وهو ما يطمئن حزب النور، لكن ما يزعجه وباقي هذه الأحزاب أن الأمر سيكون خاضعاً بعد ذلك للممارسة والقضاء.
الدستور المقبل سيكون لائقاً بمصر بعد الثورة. يؤسس للدولة الحديثة التي تحترم العمل والعقل وتقوم على العدل والحرية.