كان مولده المتزامن مع ميلاد الاتحاد، إيذاناً صارخاً بأنه أحد أبرز مقومات الاتحاد وأنضج ثمراته وأثبت جسوره نحو الانتقال بالتجربة الاتحادية إلى آفاق من النضج المستمر، والمتابعة الدؤوبة، والتواصل الجماهيري البناء، في النقد والنقد الذاتي والمراجعة الدائمة بين السلطة والشعب، وهذا ما يناط ويؤمل من المجلس الوطني الاتحادي.

فمع إطلالة عام 1972 بدأت أولى جلسات المجلس، ترسيخاً للعمل الديمقراطي الرديف للنهوض الحضاري، والتطور المعماري، ليكون سنداً اجتماعياً ورقيباً غيوراً على منجزات الاتحاد وديناميكية التحول من مرحلة إلى مرحلة، ورعاية النضج السياسي والثقافي عند المجتمع، لتأهيله باستمرار لقطف الثمار الاتحادية وصيانتها من شطط الآراء، ويبقيها ضمن دائرة حكمة الأفعال، مستندة منذ البداية إلى حرص قيادي واضح على نقل المجتمع في رحاب التجربة الديمقراطية، بتدرج يناسب القفزة الحضارية من البداوة إلى المدنية، التي تكفّل بها الاتحاد.

وهذا ما أكده مؤسس الدولة وباني نهضتها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بقوله: «إنني أريد من كل مواطن أن يُعبر عن رأيه بصراحة، لأننا نلتمس من هذه الآراء رغبات المواطنين ونعمل على حلها وأنا مع النقد البناء، وكل مجاملة على حساب المصلحة العامة أرفضها رفضاً باتاً، والمطلوب الصدق لا التصديق».

كانت هذه محفزات مرحلة التأسيس الديمقراطي المستندة إلى حكم الشورى الأصيل في الحياة الإماراتية، عبر التواصل المستمر بين الحكام وأبناء الشعب، والتعامل بالبحث الشفاف لحل أغلب القضايا التي كانت تلم بالمجتمع على بساطة التعاطي حينها، إلا أنها وطدت الطريق أمام الفكر الحر الديمقراطي، الذي يحسن التعامل مع مفرزات المدنية الحديثة بعقلية أصيلة.

وبعد التأسيس تولى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، العمل على مرحلة التمكين السياسي والديمقراطي، وأكد ذلك بقوله: «إننا نمضي بثبات نحو الوصول بالتجربة السياسية الإماراتية إلى مقاصدها، وتحقيق التنمية المنشودة وتوسيع نطاق المشاركة، وتطوير المجلس الوطني الاتحادي، وتفعيل دوره باستمرار»، وقال سموه: «نحن اليوم على مشارف مرحلة جديدة أطلقنا عليها (مرحلة التمكين)، تمييزاً لها عن (مرحلة التأسيس) السابقة لها».

ومن نسيج المرحلتين يمضي المجلس الوطني الاتحادي بثبات، خطوة فخطوة نحو مواصلة العمل وترسيخ النهج الديمقراطي لخدمة قضايا الوطن والمواطنين، ومواكبة التطور الذي تشهده الدولة في جميع المجالات.

وحقق المجلس العديد من الإنجازات، بعد إجراء تجربتين انتخابيتين لنصف أعضاء المجلس عامي 2006 و2011، وتوسيع القاعدة الانتخابية، ومشاركة المرأة ناخبة وعضوة، والتعديلات في بعض مواد الدستور، لتمكين المجلس وتفعيل دوره وتعزيز الحياة الديمقراطية والمشاركة السياسية.

ونحن، أبناء الإمارات، شهود على ثمرات ومنجزات مرحلة التمكين الثانية، والتي ترجمت ثقة القيادة بالمرأة، حيث تم تعيين ست عضوات، وذلك بعد فوز امرأة واحدة بالانتخاب، إضافة إلى حصول امرأة على منصب النائب الأول لرئيس المجلس.

وهنا لا بد من النظر إلى ركيزتين مهمتين في المسيرة السياسية للدولة، أولاهما خصوصية التجربة الديمقراطية، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، فالتواصل الجماهيري المباشر بين القائد وأبناء الشعب لا يزال يختزل الكثير من الحواجز ويزيد إشراق الشفافية ويوطد العلاقة بين القيادة والشعب.

وتظهر بعض ملامح هذه الخصوصية حين نعلم ونرى أن قيادتنا الرشيدة لا تكتفي بجعل أبوابها مفتوحة أمام المواطنين، وإنما تحرص على الذهاب إليهم في مختلف إمارات الدولة ومناطقها، لتعرف طبيعة احتياجاتهم ومشكلاتهم على أرض الواقع.

 والركيزة الأخرى هي العمل على ضمانة النضج الديمقراطي بين الناس وفي الأجيال القادمة، ليصل أبناء الإمارات إلى أعلى درجات التمكين السياسي المدروس الذي ترعاه الدولة. ولذلك خيراً فعل المجلس الوطني الاتحادي بإطلاقه مبادرة إنشاء «برلمان المدارس»، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، والهادفة إلى نشر ثقافة الحوار وقيم المشاركة بين الأجيال الصاعدة.

هاتان الركيزتان ضمانتان حقيقيتان أمام أي تسرع في حرق المراحل واستعجال الثمرات، وهما الكفيلتان بصيانة التجربة الوحدوية والديمقراطية في الدولة، من أي عثرات قد تعيق نضجها وتطورها.