لم يكن مفاجئاً أن تحصد دولة الإمارات العربية المتحدة، المركز الأول عربياً والمركز الرابع عشر دولياً، في ثاني مسح من نوعه أجرته الأمم المتحدة على مستوى دول العالم، لقياس مدى الرضى والسعادة المحرزة من جراء تحسن الخدمات الاجتماعية وصولاً للرفاهية الاجتماعية.

إن حصولنا على هذه المراكز المتقدمة لم يحدث نتيجة لتحيز أو محاباة من هذه المنظمة الدولية، التي درجت على تكليف إحدى وكالاتها المتخصصة لإجراء المسوح والأبحاث المعمقة، حول مئات القضايا المحورية. وقد أشرنا في مقالة سابقة إلى التقدم الذي أحرزته دولة الإمارات، إذ قفزت من المركز 49 لتحتل المرتبة 33 بين دول العالم، كما جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 2011، الصادر من البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة.

ولم يكن مفاجئاً لنا نحن شعب الإمارات أن تتبوأ دولة الإمارات المركز الأول عربياً في هذا المسح الدولي الثاني من نوعه، حول مؤشر السعادة والرضى بين شعوب العالم، وكذلك لم يكن مفاجئاً لنا أن تحرز دولتنا الناشئة هذا الموقع المتقدم، متجاوزة دولاً أخرى في القارات الخمس، ومتقدمة على كافة الدول العربية.

إن الذين تابعوا مسيرة نهضة دولتنا التي أرسى دعائمها المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخوه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، يدركون حجم الجهد الذي بذله المؤسسون البانون..

والقيادة الرشيدة للارتقاء بمجتمع الإمارات، وكيف أمكن تحويل أرض يباب قاحلة إلى واحة خضراء، تغرد في أفيائها طيور الكناري، وينبعث من حدائقها عبق الرياحين، بل كيف أمكن النهوض بالرجل والمرأة والطفل.. وكيف تحولت الأسرة الإماراتية بأكملها إلى أسرة منتمية إلى مجتمع التنمية المستدامة..

والمعلوم أن الأمم المتحدة تجري مئات الأبحاث التي تهم الجنس البشري، وعادة يتم تكليف أساتذة جامعات وخبراء دوليين للقيام بهذه الدراسات، التي تتبع فيها منهجية علمية مدعومة بإحصاءات موثوق بها، يتولى جمعها فريق عمل مكلف، غالباً ما يتبع لمركز الأمم المتحدة للبحوث الاجتماعية، وقد جاءت نتائج هذا المسح نتيجة لهذه الجهود.

ومن جهة أخرى، نجد أن المرأة الإماراتية، وهي تشكل نصف المجتمع، ارتقت وصعدت أعلى مراحل السلم، وتقلدت أعلى المناصب وصارت عضوة منتخبة في الهيئة التشريعية، كما تبوأت رتباً قيادية في الأجهزة التنفيذية والنظامية وقطاع الصحة والتعليم والإعلام، وهنالك مئات من بنات الإمارات المبتعثات للدراسات الجامعية والعليا في شتى بلاد العالم، وأكثرها تقدماً.

وبهذه المناسبة السعيدة أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: "إن الشغل الشاغل لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، هو إسعاد المواطنين وتحقيق الرفاهية لهم، وتوفير الحياة الكريمة لأبنائهم وأسرهم".

كما أكد أنه لم يكن من الممكن تحقيق هذا الهدف من دون الرجال المخلصين، وفرق العمل المتميزة، والتنسيق والتكامل بين جميع القطاعات الحكومية الاتحادية والمحلية،.

وأن "تحقيق السعادة للناس هي غايتنا، وخدمتهم هدفنا، ورضاهم هو مقياس نجاحنا، وأن جميع الخطط التنموية التي اعتمدناها، والمبادرات التي أطلقناها، وجميع السياسات والقوانين الحكومية، تشترك في غاية واحدة نسعى لها، وهي تحقيق السعادة لمواطنينا". وما تحقق خلال الفترة السابقة ما هو إلا مرحلة أولى سيتبعها المزيد من العمل والإنجاز، وصولاً لأن نكون من أفضل دول العالم إن شاء الله.

وأضاف سموه: "لا يعمر الأوطان ويشيد الأمجاد إلا شعوب يملأ نفوسها الرضى والسعادة، وإن سعادة الفرد هي البداية لمجتمع مستقر مطمئن ومنتج، ولذلك بدأت المنظمات الدولية المعنية بالتنمية مراجعة المقاييس الحقيقية التي تقيس بها نجاح الحكومات، لتركز بشكل متزايد على قياس مشاعر الرضى والسعادة التي تتمتع بها الشعوب، كمدخل أساسي لتحقيق تنمية مستدامة".

أعود لأقول: إن الشعور بالرضى والسعادة حالة نسبية كما يرى علماء النفس، ولذا من العسير الجزم بمدى ومستوى سعادة مجتمع بأكمله، نظير إشباع حاجات أفراده المادية والمعنوية، ولكن مؤشرات قياس السعادة والرضى تعتمد على درجة الرفاهية الاجتماعية التي انتهت إليها حالة المجتمع، نظير جهود الدولة في إنجاز مشروعات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

ومن هذا المنطلق واستناداً إلى التقارير المنشورة، فإن دولة الإمارات استطاعت بفضل جهود ومتابعة القيادة الرشيدة، تحقيق أعلى معدلات النمو الاقتصادي الذي ترافقت معه درجات متقدمة في مستويات الخدمات الاجتماعية، خصوصاً في ميادين الصحة والتعليم والبيئة. لذا ليس مستغرباً أن ينسجم ما تحقق من تنمية مستدامة في بلادنا في أربعة عقود، مع مؤشرات المسح الذي صدر مؤخراً.

ويكفي القول: إن الناتج المحلي الإجمالي للدولة تجاوز دول النمور الآسيوية، كما أن دخل الفرد في الإمارات بقي في صدارة الدول المقدمة، وأن قطاع البنية التحتية احتل نفس الموقع، شأنه شأن قطاع الخدمات اللوجستية، ويسير في ذات الاتجاه قطاع الخدمات العامة كالصحة والتعليم، علماً بأنه تتم رعاية هذا التقرير من قبل شبكة حلول التنمية المستدامة، التي أنشأها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.

يستند ترتيب الدول إلى مسح غالوب العالمي (Gallup World Poll) الذي يستطلع رأي الأفراد في تقييمه لمستوى المعيشة والرضى عن الحياة، من درجة "صفر" (الأقل سعادة) إلى 10 (في غاية السعادة)، ويُعرف هذا السؤال اقتصاديا بنتيجة سلم كانتريل لمعرفة ترتيب الدول، وتقوم مؤسسة غالوب العالمية بطرح أسئلة أخرى تتعلق بالرفاهية وجودة الحياة.

ويُظهر التقرير أن الدخل الاقتصادي، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والدعم الاجتماعي، والرفاهية المعيشية، وغياب الفساد، هي من أكثر جوانب الحياة التي تجعل الفرد أكثر سعادة.