بعد ثلاثة أيام فقط من محاولة اغتيال وزير الداخلية المصري، كانت لجنة الدستور تبدأ اجتماعاتها وتختار وزير الخارجية الأسبق عمرو موسي لرئاستها وتبدأ مهمتها في وضع دستور الثورة، بعد أن تم تعطيل دستور الإخوان الشهير "بدستور نصف الليل" الذي انفردت الجماعة وأنصارها بوضعه في العام الماضي، وكان كارثة حقيقية بكل المقاييس.

المعنى الأساس هنا أن مصر ماضية في طريقها لتطبيق خريطة الطريق التي تم الإعلان عنها بتوافق كل القوى الوطنية بعد عزل الرئيس السابق مرسي. وأن كل محاولات الإرهاب لتعطيل مسيرة بناء الدولة المدنية التي تبدأ بوضع الدستور ثم انتخاب البرلمان والرئيس الجديد، قد فشلت فشلاً ذريعاً.

كلما خطت مصر خطوة على الطريق الصحيح فقد الإرهابيون صوابهم. بعد أن فشلت كل محاولات "الإخوان" لإشعال الفتنة وحرق البلاد، أصبح الإرهاب المكشوف هو المصير. لم تفلح جهودهم المستميتة لتعطيل الحياة، ولا لإشعال القتال الطائفي.

حرقوا الكنائس فكان الرد إصراراً على وحدة وطنية تجلت في 30 يونيو على أروع مثال. قالوا إن هناك انقساماً سوف يؤدي للحرب الأهلية، فانتهى الأمر بهم إلى مئات يتظاهرون تحميهم الشرطة من غضب الشعب.

بعد فشل محاولة اغتيال وزير الداخلية، ومع تصاعد الحملة لتطهير سيناء من جماعات الإرهاب. جاءت العملية الخطيرة بتفجير مقر المخابرات في مدينة رفح في عملية انتحارية أوقعت عدداً من الشهداء والمصابين بين الجنود والمدنيين.

العملية التي وقعت في 11 سبتمبر كانت تكشف أن معركة مصر ضد الإرهاب لن تكون سهلة، وجاءت أيضاً لتكشف أن دعم أميركا وحلفائها لحكم "الإخوان" لم يكن لوجه الله، ولا لمصلحة مصر والعالم العربي. وكانوا يريدون أن يبعدوا الإرهاب عنهم ويرسلوه لكي يحكمنا.. أو يقتلنا!! كانوا يريدون إذا تكرر 11 سبتمبر أن يكون ذلك خارج أراضيهم. وفي خدمة مصالحهم وليس للإضرار بها.

ما يحدث في مصر الآن ينزع أي قيمة أخلاقية في الموقف الأميركي الذي اتخذته إدارة أوباما وساقت حلفاءها إليه، لكي يدعموا "الإخوان" للوصول للحكم، ولكي يقفوا ضد ثورة مصر ويمارسوا عليها كل الضغوط، التي فشلت بفضل صمود شعب مصر ودعم الأشقاء العرب.

الآن.. تسقط كل الأقنعة، يعرف العالم كله أن مصر تخوض حرباً شرسة ضد إرهاب مجنون. يحاول "الإخوان" الآن أن يتنصلوا من الجرائم البشعة التي يتم ارتكابها، وفي الوقت نفسه يتصرفون وكأنهم جزء لا ينفصل عن الإرهاب الذي تبنوه علناً قبل ذلك، وساعدوه بكل الوسائل، ويحاولون عن طريقه الآن ترويع المصريين وإيقاف تحركهم لوضع أساس النظام الجديد للدولة.

حين يقول مسؤول مصري كبير إن عدد الإرهابيين في سيناء تضاعف من ألف إلى 12 ألف إرهابي أثناء حكم مرسي الذي لم يستغرق إلا عاماً واحداً، فعلينا أن ندرك حجم الجريمة التي تمت في حق مصر وأمن شعبها. وحين تكشف الوثائق عن حجم من تم الإفراج عنهم من قيادات الجماعات الإرهابية في عهد مرسي، وعن حجم العائدين لممارسة الإرهاب في مصر، فعلينا أن ندرك أن ما حدث لم يكن مصادفة، بل كان ضمن مخطط متفق عليه.

وعندما ينتهي عهد مرسي بهذا المشهد الذي لا ينبغي أن ننساه أبداً، حين وقف بين زعماء الإرهاب قبل أيام من 30 يونيو يهددون بالقتل وينذرون بالشر المستطير في الدنيا والآخرة. فليس هناك شك في أننا نواجه تحالفاً حقيقياً للإرهاب لا يوجد فيه معتدل ومتطرف.

وحين تتم محاولة اغتيال وزير الداخلية في قلب القاهرة، ثم يخرج "الإخوان" في اليوم التالي مباشرة في تظاهرات عديدة في محافظات عدة، فليس لذلك من معنى إلا أنهم شركاء في مخطط تدمير مصر! صحيح أن التظاهرات كانت بائسة في الأعداد القليلة التي شاركت فيها، وصحيح أن مهمة الشرطة لم تكن سهلة في حماية هؤلاء من غضب الجماهير.

لكن المعنى كان واضحاً، وهو أن "الإخوان" لم يكتفوا بما فعلوه من دعم للإرهاب ومن توفير الغطاء السياسي له، وإنما هم يشاركونه العمل على الأرض.. يمهدون له الطريق بتشتيت جهد أجهزة الأمن واستنزاف جهد الدولة، ويخططون معه لتدمير الوطن، ثم يخرجون بعد ذلك للإعلان عن مواصلة هذا الطريق حتى نهايته.. أو نهايتهم!!

شعب مصر حين خرج في 30 يونيو كان يعرف أنه يتحدى مخططات أكبر من إسقاط رئيس وإنهاء، حكم فاشي. وحين خرج مرة أخرى في 26 يوليو كان يدرك أن الحرب على الإرهاب ليست سهلة، وأن من يدعمونه سوف يستمرون ذلك لاستنزاف مصر ووضع العراقيل أمام مسيرتها لإعادة بناء الدولة. الموقف الآن لم يعد فيه مجال كبير للمناورة..

لم يعد ممكناً قبول موقف تتعرض فيه مصر لهذه الهجمة الشرسة من إرهاب مجنون، بينما دولة مثل أميركا تمارس عليها الضغوط وتلوّح بعقوبات اقتصادية حتى ولو كانت بلا قيمة حقيقية!! لم يعد ممكناً أن تستمر دول في تقديم الدعم المادي والإعلامي للإرهاب، وفي التحريض على الجيش المصري وهو يخوض حرباً مقدسة لاستعادة سيناء من قبضة عصابات الإرهاب!!

و لم يعد مقبولاً أن يستمر البعض في استنزاف قوى الدولة وتشتيت جهد أجهزة الأمن، بينما مصر تتعرض لهذه المخاطرة، إن ما تفعله جماعة "الإخوان" الآن هو خارج أي عقل أو منطق. لقد حاولوا على مدى عشرات السنين أن يتنصلوا من الجرائم الإرهابية التي ارتكبوها ومن سلسلة الاغتيالات التي قاموا بها.

الآن يعلنون بلا مواربة تبنيهم للإرهاب. لم يتعلموا الدرس ولم يفهموا أن شعب مصر قد نزع الخوف من قلبه. ولم يدركوا أن الرهان على أن الإرهاب سوف يستدعي التدخل الأجنبي لمصلحتهم هو رهان خاسر بكل المقاييس.

تمضي مصر في طريقها تحارب الإرهاب المجنون بكل قوة وحسم. تضع دستور الثورة الجديد. تعالج آثار حكم الإخوان الذي وضع البلاد على حافة الكارثة. لا تنسى مصر من وقف معها في هذه الظروف الصعبة ومن وقف ضد إرادة شعبها. حين تقول مصر إن صبرها قد نفد من تصرفات قوى عديدة في الخارج والداخل، فعلينا أن ننتظر إجراءات حاسمة لم يعد منها مفر بعد أن سقطت كل الأقنعة عن كل الوجوه.