من الغريب أن الحيوانات إجمالاً لا تبرز على الإطلاق في حياة معظم الناس، ومع ذلك فإن هناك حيوانين لعبا أدواراً مهمة في حياة الكثيرين، وقد شاركا حياة الكثير من الأفراد بطريقة شخصية للغاية، وهما القطة والكلب. وهذا المقال مكرس بصفة خاصة، للصلة الفريدة بين القطة وكبار الكتاب والمبدعين على امتداد العالم.

وأبادر بالإشارة أولاً إلى ما سبق أن أوضحته قبل ذلك مرات عدة، من أن حب الحيوانات الأليفة لعب دوراً كبيراً في الديانتين السماويتين الرئيسيتين في العالم، وهما الإسلام والمسيحية، وإن كان ذلك بطرق مختلفة تماماً في الطريقة التي نظرت بها كل من هاتين الديانتين إلى الحيوانات الأليفة.

وتحدثنا كتب السيرة عن أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كان شديد الرأفة بالحيوانات، وأوصى بأن يعاملها الناس بأقصى قدر من الرفق. كما تشير إلى أن القطة كانت حيوانه الأليف المفضل، وأنه حينما كانت قطة تظهر ما يشير إلى ميلها للخروج من داره، كان صلى الله عليه وسلم يبادر للنهوض بنفسه ليفتح لها الباب كي تخرج.

ومن المعروف أن أحد سلاطين المماليك قد أوقف ثروته لإطعام القطط في جميع أنحاء عاصمة ملكه، أي القاهرة، وكان القائمون بتنفيذ الوقفية يحرصون على إطعام القطط في كل دروبها ومسالكها. وخلال زيارتي الأخيرة للقاهرة، لاحظت أن أهلها لم يتخلوا عن عادتهم النبيلة في إطعام الحيوانات الأليفة، وفي مقدمتها القطط، رغم كل الأحداث التي واكبت ثورة 25 يناير وأعقبتها.

ولعل من أشهر المبدعين الذي عرفوا بحبهم للقطط، الكاتب المسرحي الشهير جان كوكتو، الذي بلغ من عمق عشقه للقطط أن أنشأ نادياً لمحبيها.

وإذا ذكر حب القطط والرفق بها، فلا بد أن نذكر ميشال ديمونتي، الكاتب الفرنسي الكبير العائد للقرن السادس عشر، والذي كان يستمتع وسط كتاباته المتعمقة باللهو مع قطته. وقد كتب في عبارة شهيرة: "عندما ألهو مع قطتي فمن يدري؟ ربما كانت تستمتع باللهو معي أكثر من استمتاعي باللهو معها".

وقد احتفظ الروائي الأميركي الشهير أرنست همنغواي بحوالي 30 قطة في أرجاء منزله، وكان يطلق عليها أسماء أصدقائه من المشاهير ويناديها بهذه الأسماء. وبدوره اعتاد الفيلسوف والروائي الفرنسي جان بول سارتر، الكتابة بيده اليمنى بينما يبقي يسراه على قطته الأثيرة. وأحبت الكاتبة والروائية الفرنسية كوليت، القطط العديدة التي كانت تحتفظ بها في دارها، وحققت نجاحاً مدوياً بروايتها التي حملت عنوان "القطة".

واعتز بابلو بيكاسو أشد الاعتزاز بقطته "جنجر"، وبلغ من عمق حبه لها أنه أبدع لوحات عديدة لها، وهذا هو ما فعله الفنان التشكيلي الشهير سلفادور دالي.. وتمتد قائمة محبي القطط من الكتاب والمبدعين ربما بلا انتهاء.

وتحفل قصص التراث بالكثير من الطرائف عن القطط وصلاتها بالبشر، لكنني تأثرت كثيراً بقصة تروى عن رجل كان يسير ذات مساء شتوي ممطر وقد التف بعباءته يتقي بها عنفوان المطر المنهمر، وفجأة طرق سمعه مواء خافت يسمع بالكاد وسط عصف المطر، فالتفت ليجد قطة صغيرة توشك أن تغرق وتنفق في هذه المحنة الشتوية.

انحنى الرجل في إشفاق على القطة فالتقطها ووضعها تحت عباءته، ولدى وصوله إلى بيته انهمك في تجفيفها بعد أن تحولت إلى لفافة من الفراء غارقة في الماء، وذلك حتى قبل أن يخطر له أن يجفف نفسه.

في اليوم التالي وربما بتأثير العاصفة، وجد الرجل نفسه وقد غلبه ألم حاد في صدره الذي امتلأ بالبلغم، ومضى جسمه كله يرتجف بفعل الحمى، وبعد يومين فارق الحياة بفعل تلك الحمى التي عاودته ولم تفارقه.

تقول القصة إن الرجل استعاد وعيه يوم الحساب، وكان أول ما خطر بباله هو سؤال ملح: أين أنا؟ وسرعان ما أدرك أنه يسأل عن حياته فيمَ أمضاها، فرد على ذلك بأنه أقام صلاته وأدى صيامه وحج إلى بيت الله مرات عدة، ودفع الزكاة في موعدها.. ولكنه أحس بأن الصوت يعكس استجابة سلبية حيال ما يقول.

وأخيراً وجد الرجل أن بوابة قد فتحت أمامه ليدلف من خلالها، وأدرك مندهشاً أن تلك هي بوابة الفردوس، وعندئذ تناهى إلى سمعه صوت يقول: لقد أنقذتك تلك القطة التي حملتها إلى بيتك في ذلك اليوم الشتوي العاصف، وهي التي فتحت لك أبواب الفردوس.