ببساطة وعفوية، خرج المواطنون المصريون يستقبلون بالورود وفد دولة الإمارات برئاسة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عند وصوله للقاهرة. تعبير حقيقي عن علاقة وثيقة بين بلدين شقيقين، فشلت كل محاولات إفسادها وآخرها ما قام به "الإخوان" في عام أسود تولوا فيه حكم مصر، وانتهى بسقوطهم على يد الشعب في 30 يونيو.

قبل قيام الدولة، كانت مصر هي السند في معركة الاستقلال والتحرر من الاستعمار. بعد قيام الدولة، رعى مؤسسها الراحل الشيخ زايد، علاقة فريدة تنطلق من قناعة كاملة بالمصير العربي المشترك.

وبدور مصر في ضمان الأمن القومي العربي. في حرب 73 كان دور زايد الحاسم في استخدام سلاح البترول العربي، وكان الدعم الفوري للمجهود الحربي. كانت أسعار البترول ما زالت متدنية، وأول دفعة من أموال الدعم كانت قرضاً من أحد البنوك العالمية، تم تحويله بسرعة لمواجهة الموقف.

على مدى ما يقرب من أربعة عقود بعد ذلك، كانت العلاقات بين القطرين الشقيقين تجسيداً لإيمان مصر ـ من ناحية - بأن أمنها القومي يبدأ من الخليج العربي، وتجسيداً لإيمان الإمارات بقيادة زايد ثم خليفة، بأن استقرار مصر هو الضمانة الأساسية لاستقرار الوطن العربي.

وتتعدد المواقف في هذا الشأن من الناحية الرسمية، لكن الأهم كان هذه العلاقة الرائعة التي تربط بين الشعبين الشقيقين. كان زايد هو الحاكم العربي الأقرب لقلوب المصريين، وكانوا في الإمارات يشعرون بأنهم في وطنهم، وهي نفس مشاعر أبناء الإمارات في مصر.

أتذكر أنه بعد زيارة السادات للقدس، كانت مشاعر الصدمة هي الغالبة في الشارع العربي، وتحمل المصريون في الدول العربية آثار الموقف. في الإمارات كان التوجيه الأساسي من زايد، هو إبعاد أي تأثير للخلافات السياسية على مشاعر المودة التي تربط بين الأشقاء العرب.

كانت زيارات زايد لمصر مناسبات للاحتفاء الشعبي قبل الرسمي به، واستمر الأمر كذلك مع صاحب السمو الشيخ خليفة، وظلت العلاقات بين البلدين الشقيقين نموذجاً يحتذى به. لذلك كانت الصدمة هائلة لما آلت إليه العلاقات بين البلدين، عندما وقعت مصر تحت حكم الإخوان.

كان طبيعياً أن تتدهور العلاقات بين حكم الإخوان وبين الإمارات، في وقت كان "الإخوان" على صدام مع شعب مصر بكل طوائفه وتياراته السياسية، ومع كل مؤسسات الدولة التي تقاوم ببسالة سياسة "الأخونة" وطلائع الحكم الفاشي، الذي يتدثر زوراً بثياب الدين الحنيف.

ولم يكن غريباً أن يتآمر "الإخوان" على الإمارات، في وقت كانت مؤامرتهم الأساسية ضد مصر يجري تنفيذها على قدم وساق، بدعم دولي وإقليمي يرى في انكسار مصر ووقوعها تحت سلطة "الإخوان"، فرصة لتمرير كل المشروعات المشبوهة، وتنفيذ الخريطة الجديدة للمنطقة في غياب العرب وعلى حساب مصالحهم.

كان الصدام طبيعياً بين الإخوان والإمارات، وكان الصدام حتمياً بين الإخوان وشعب مصر بأكمله ودولة مصر بجميع مؤسساتها. كان الصدام هنا وهناك ينطلق من إيمان "الإخوان" بأن مصلحة الجماعة وحدها هي الأساس، وهي التي تعلو فوق أي مصلحة. كانت الجماعة تنطلق من أفكار سيد قطب الذي تدين له قيادتها بكل الولاء.

وكان الرجل قد حدد الموقف من هذه القضية بكل وضوح في أيامه الأخيرة. فأثناء الإعداد لمؤامرة 1965، كتب سيد قطب ما أسماه "خيوط خطة" لتوزع على أعضاء التنظيم (وقد طبقت بعد ذلك في جزأين)، وفيها يقول بالنص: "إن جماعة الإخوان المسلمين ليست قطاعاً من هذا الشعب، ولا قطاعاً من المجتمع العربي أو العالمي، وليست من "رعايا" الحكومة المحلية... إنها "كينونة" جديدة تنشأ منفصلة عن كل هذه التشكيلات الوطنية أو القومية أو العالمية".

بهذه العقيدة، كان لا بد أن تصطدم هذه "الكينونة الجديدة" مع مصر شعباً ودولة. ولم يكن غريباً أن نسمع عن استعدادات للتنازل عن القرار المستقل، أو حتى عن الأرض كما ظهر في الحديث عن "حلايب" جنوباً أو سيناء شرقاً. ولم يكن نشازاً أن نرى ـ بعد السقوط - هذا الاستجداء الذليل للتدخل الأجنبي، في فعل خيانة لا تغتفر!

الموقف الرائع من دولة الإمارات والمملكة السعودية أساساً، بعد 30 يونيو، لم يكن مجاملة لمصر، ولا ثأراً من الإخوان.. بل كان اختياراً استراتيجياً قبِل التحدي وغيّر الموازين، ولهذا سانده العديد من الدول العربية والصديقة، في مواجهة قوى كبرى دولية وإقليمية كان واضحاً أنها أصيبت بالصدمة من سقوط الإخوان، وأنها تكافح لإنقاذ مخططاتها في المنطقة ولو بالتآمر على مصر وثورتها.

ما أعلن عن جهود الأشقاء لدعم موقف مصر قليل من كثير، وما تم من ضغوط لتعديل هذا الموقف كان هائلاً، لكن الأمر كان محسوماً والقرار، كما كان قرار حظر البترول عام 73، ينطلق من مبدأ أساس وهو أن ما حدث في 30 يونيو في مصر، هو عملية إنقاذ تاريخية تتجاوز مصر إلى العالم العربي، الذي كان وما زال يتعرض لمؤامرة لو نجحت ـ لا قدر الله - لأغلقت أبواب المستقبل أمام العرب لعقود طويلة قادمة.

فلم يكن "الإخوان" إلا مخلب قط في مخطط كبير، يستهدف إعادة رسم خريطة المنطقة وإنهاء عروبة العرب. لم يكن موقف الإمارات من أحداث مصر موقفاً عاطفياً، بل كان نابعاً من فهم لأبعاد المؤامرة التي تتجاوز مصر إلى كل العالم العربي، وعن إدراك بالكارثة التي وقعت حين سقطت مصر تحت حكم الإخوان، وعن وعي بأن العالم العربي لا يمكن أن يتحمل غياب مصر أكثر من ذلك.

كثيرة هي الأحاديث التي جاءت على لسان كبار المسؤولين في مصر، لتؤكد أن شعب مصر لن ينسى من وقف معه، ومن تآمر عليه في هذه الظروف الدقيقة. لكن التعبير الأكثر وضوحاً عن ذلك، جاء من المواطنين المصريين الذين خرجوا في الأسبوع الماضي يستقبلون بالورود وفد الإمارات.. فشعب مصر لا يمنح محبته بسهولة، ولا يمنحها إلا لمن يستحقها.