إن موضوع التوطين في دولة الإمارات العربية المتحدة، يذكرنا بالمسلسلات المكسيكية التي تعد حلقاتها بالمئات وتزيد، وكأنها بلا نهاية. والغريب في الأمر أن هذه القضية طُرحت في العقد الثامن من القرن الماضي، وما زال الحديث والاقتراحات حولها تُطرح حتى يومنا هذا.

لقد عُقد العديد من المؤتمرات والندوات حول هذه القضية، وتمت مناقشتها في المجلس الوطني الاتحادي أكثر من مرة، إلا أنها ما زالت صامدة ضد كل القرارات والتوصيات، سواء في القطاع العام الحكومي أو القطاع الخاص، فهي كالجبل الذي لا يهزه الريح، ولا تؤثر فيه الأعاصير، ومن يدعو إليها كمن "يؤذن في مالطا" كما يقول المثل العربي!

ألا يعني ذلك دفع شباب الوطن من الذكور والإناث إلى طرق لا تؤمَن سلامتها ولا عواقبها، بل تؤدي للانحدار نحو الهاوية؟ وفي الوقت نفسه يزداد عدد القادمين إلى الإمارات من كل أرجاء العالم بحثاً عن العمل.. والغريب أن أولئك يجدون العمل والرواتب المجزية من قِبل القطاع الخاص، وغالبيتهم من غير العرب تحديداً، فهل هذه دعوة لأبناء الوطن للهجرة خارجه؟

لقد ازدادت المشكلات الاجتماعية وبأنواع وأشكال جديدة، منها ما هو ذو طابع نفسي أو اجتماعي واقتصادي، وأصبح المجتمع وكأنه للنخبة فقط، أما غيرهم فليذهب إلى الجحيم؟

وهذا الجحيم هو الخطر الحقيقي على سلامة المجتمع والدولة.. وتزايد مظاهر العنف، سواء في الطريق العام أو في محيط الأسرة، مؤشر لا تخطئه عين المراقب. ولعل المرأة هي التي تعاني أكثر من غيرها، نتيجة لأساليب التربية الخاطئة، ودور وسائل الإعلام من خلال المسلسلات والبرامج الأخرى التي تنشر العنف وتكرسه.

والسؤال الذي يطرح نفسه وبحدة: هل هناك دراسات علمية عن هذا الواقع؟ وهل عمليات التجميل المؤقتة تكفي لحماية المجتمع وأبنائه من تصرفات وممارسات يقوم بها أفراد لا تهمهم إلا مصالحهم الخاصة جداً.

لعل هذه الوضعية شبيهة بمرض السرطان، الذي لا يشعر به الإنسان إلا بعد أن يتمكن من جسمه ويُصبح علاجه مُحالاً بشتى الوسائل الطبية الحديثة، وبات من المعلوم أن الإصابة بالسرطان، والذي أشبهه هنا بـ"السرطان الوافد"، له العديد من الأسباب، لذلك فإن علاجه يتطلب وقتاً طويلاُ، هذا إذا نجا المريض من الموت.

إن الهجرة لدولة الإمارات تشبه الجراد الذي يقضي على كل ما هو أخضر في أيام، وبعدها يهاجر لمكان آخر تاركاً خلفه الأرض بوراً. إنه الدمار المنظم، فمن المستفيد من كل هذا غير قلة قليلة من الأفراد، من الصفوف الثالثة أو الرابعة في المؤسسات؟ هل نعود إلى أغنية "الأرض تتكلم عربي"، التي عُرضت ضمن مسرحية في القرن الماضي وكانت تعكس اهتمامات أهل المسرح بالقضايا الوطنية المحلية، ومنهم الراحل "أحمد راشد ثاني"!

إن علينا أن ندرس تاريخ الهنود الحمر في أمريكا، أو مأساة فلسطين من جديد، والتي لن تعود إلينا عن طريق المنظمات الدولية أو التحالفات التي لا وجود لها إلا على الورق.

كان الحديث سابقاً عن الهجرة الإيرانية لدول الخليج إبان حكم شاه إيران "رضا بهلوي"، إلا أن المجتمعات الخليجية صمدت وتماسكت ودمرت تلك المؤامرات، لكن الآن الريح أقوى من الصمود، ومعظم اقتصادات المنطقة في أيدي الآخرين.

أليس من الأجدى الحديث بعمق عن الآثار السلبية للهجرة إلى الإمارات، والحد من هجرة رعايا الدول الآسيوية والأوروبية؟

وحتى الإفريقية! قد يقال إن هذه نظرة عنصرية ضد الجاليات الأخرى، لكن الوطنية وحماية الوطن والمواطن الإماراتي فوق كل اعتبار وفوق كل الشعارات. والمطلوب كذلك تشجيع المواطنين العرب للقدوم للإمارات، فلم تعد الأسباب المانعة لذلك موجودة حالياً، فمعظم الناس لا يبحثون عن السياسة بقدر بحثهم واهتمامهم بتوفير لقمة العيش والحياة الآمنة لهم ولأولادهم.

إن الشعور بالغربة والاغتراب داخل الوطن من أشد الأمراض النفسية تأثيرا، وهما الخطوة الأولى نحو الهلاك والسقوط في الهاوية. وما عليك، عزيزي القارئ، إلا أن تخرج في جولة سريعة، سواء في المتاجر الكبيرة أو على شاطئ البحر أو في البر، لتدرك أن الجراد الأصفر قد غطى المساحات الشاسعة من الوطن.

من المعلوم أن من يمتلك بناية أو مجمعا سكنيا يحاول أن يجد من يقطن تلك المباني، وغالباً ما يكون هؤلاء من المهاجرين.. أما المواطن إن كان لا يملك سكنا خاصا به، فإن عليه الانتظار سنوات حتى يحصل على السكن المناسب، رغم ما تقيمه الدولة من مشاريع في هذا المجال، لكن العدد أكبر مما يتوفر سنوياً.

ألم نلاحظ أن العديد من الإخوة العرب، قد أرسلوا عائلاتهم إلى أوطانهم بسبب غلاء المعيشة ومتطلبات الحياة، على حين أن غيرهم يعيش معهم حتى الأجداد والجدات والأحفاد وغيرهم؟ ألا نتذكر ذلك الذي قال إن "الإمارات هي وطني" وهو ليس من الناطقين بلغة الضاد!

نعم، دولة الإمارات ملاذ آمن للجميع.. لكن هذا لا يعني ذوبان وتلاشي المواطن الإماراتي في دولته، حتى لا يصبح مجرد قطرة ماء في محيط هادر.