تعرّف القيم بأنها تعبيرات عن رؤى جماعية، حول ما يعتقده الشعب مثاليا للعيش والعمل والتعامل مع الآخرين. إذن، القيم مصلحة من مصالح الدولة العليا، لأنها تعكس هويتها الوطنية من جهة، ولأنها تحدد أنماط تعامل الدولة مع الدول الأخرى من جهة ثانية.
وتختلف القيم من مجتمع لآخر بحسب الثقافات والأحداث التي تمر بها المجتمعات، خصوصاً تلك التي تحدث تغييراً جذرياً في المجتمع، مع العلم بأن هناك قيماً ثابتة للدولة غير قابلة للتغيير، لأنها جزء من هويتها، كقيمة الانتماء إلى العالمين العربي والإسلامي.
وهناك قيم متغيرة من حيث الشدة والنطاق بحسب الظروف والأحداث، حيث تتراجع قيم وتتقدم قيم وتتلاشى أخرى. وتأتي أهمية القيم من كونها تساعد على بلورة بعض المصالح الوطنية، ومن هذه المصالح تشتق الاستراتيجية العليا للدولة، والتي تتبلور عنها فيما بعد استراتيجية الأمن الوطني.
وتقسم القيم في الدولة إلى نوعين؛ الأول "القيم المجتمعية"، وهي محصلة إجماع المجتمع عليها للتعامل بها، مثل: الصدق، الكرم، الشجاعة، النبل، الأمانة، الاحترام، صلة الرحم، الوفاء، الإخلاص، إيثار المصلحة العامة على المصلحة الخاصة... الخ.
أما النوع الثاني من القيم، فيمثل "القيم العليا" للدولة، وهي محصلة توافق الإرادة الشعبية مع الإرادة السياسة. ولكن هذا لا يلغي أن بعض المجتمعات لديها "قيم مجتمعية" غير صالحة من حيث الفطرة الإنسانية والحضارية والأخلاقية، كالعنصرية، كما لا يلغي وجود "قيم عليا" غير صالحة أيضاً، من حيث الفطرة الإنسانية والمنطق والأعراف الدولية، مثل اعتبار التوسع واحتلال الدول الأخرى ضرورة لبقاء الدولة وإشباع حاجاتها.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة يمكن أن نحصر 14 قيمة عليا، تمثل عامل القوة الأول في التفاف الشعب حول القيادة السياسية، على النحو التالي:
ـ الانتماء إلى العالمين العربي والإسلامي، الانتماء إلى البيت الخليجي، الحل السلمي للنزاعات الدولية وانتهاج سياسة الحياد، عدم التدخل في شؤون الدول وعدم السماح للآخرين بالتدخل في شؤوننا، تعزيز التعاون الدولي والمساعدات الإنسانية، الأمن والاستقرار ركيزتا التنمية، الاتحاد كهوية سياسية للدولة، المساواة والعدالة الاجتماعية وفرض القانون على الجميع، الرفاهية الاقتصادية، الريادة والتفوق بالمركز الأول، مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة، المواطنة العادلة، التنمية الشاملة والمستدامة، الإنسان قيمة عليا.
وتمتلك الإمارات نموذجاً فريداً ومتميزاً في تطوير القيم واستحداثها، فهناك قيم اخترقت سلوكياتنا وقبلنا بها دون أن نشعر. فالإفراط في استخدام التقانة وانتقالنا إلى الحداثة، قلل من قيمة الصبر لدى الكثير من المواطنين.
ومؤخراً قام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بتطوير قيمة التفوق والريادة إلى قيمة الحصول على المركز الأول حصراً، في مضمار جميع المنافسات، حتى جعل من هذه القيمة ثقافة تنتشر في جميع مفاصل الدولة والمجتمع، ومنها بدأت تصاغ السياسات والبرامج.
وهو إذ يبرر هذا "التطوير القيمي" بأن صاحب المركز الثاني سيكون في طي النسيان، وأن التاريخ لا يذكر سوى صاحب المركز الأول، فهذا التبرير مقبول من الناحية الشكلية، أما من الناحية الموضوعية فالشاشة الإداركية للشيخ محمد بن راشد أبعد وأعمق من ذلك بكثير. وفي تقديرنا فالريادة، تضمن بقاء الإمارات ضمن ميدان المنافسة الدولية.
وهنا يستلهم الشيخ محمد بن راشد ما تعلمه من قيم الماضي على يد مؤسس الدولة، ويربط ذلك بمتغيرات الحاضر، ليرسم ملامح المستقبل للأجيال القادمة.
هذا التفكير الاستراتيجي رفيع المستوى، يفرض علينا أن نتكيّف بسرعة مع متطلبات تطوير القيم التي يهندسها الشيخ محمد بن راشد، لأنه يملك النظرة الكلية والشاملة لمختلف ظروف الدولة والاتجاهات الدولية والإقليمية. والتكيّف السريع مع تطوير القيم هو الذي يضمن لنا الريادة، وتالياً الترّبع على عرش المركز الأول.
مع هذه المتطلبات للتكيّف مع عملية التطوير القيمي، علينا أن لا ننسى التهديدات التي تحاول النيل من قيمنا المجتمعية والقيم العليا للدولة. وهنا يجب أن نتعامل مع التهديدات القيمية دفعة واحدة، لأن استهداف قيمنا المجتمعية كفيل بتفكيك بنيان المجتمع (لا سمح الله)، وتفكيك البنيان الاجتماعي سيضر بالولاء الوطني، وتالياً سيؤثر سلباً على مرتكزات المواطنة، وهذا سينعكس كله على القيم العليا للدولة.
وهذه المهددات للقيّم المجتمعية والعليا، هي:
أولا، العولمة الثقافية؛ التي تحاول إعادة صياغة العالم وفق نموذج ثقافي "موَحد"، وتلغي خصوصيات كل الثقافات الأخرى، وهو تهديد يستشعره أغلب الدول.
ثانياً، التأثير الثقافي للجاليات الأجنبية؛ وتعتمد فاعليته على عوامل عدة، منها الوزن السكاني للجاليات، ومستوى أنشطة المدارس والأندية الثقافية لها.
ثالثا، غياب البعد التربوي (القيمي) في العملية التعليمية؛ بسبب قلة الكوادر الوطنية التعليمية، وتراجع التعليم في المدارس الحكومية لصالح المدارس الخاصة التي تهتم بالربح والتعليم المجرد من القيم، حيث بلغ عدد الإماراتيين المنخرطين في المدارس الخاصة نحو 87%، مقابل 13% في مدارس حكومية، كما أن الإفراط في الاعتماد على اللغة الإنجليزية في التعليم، يصعّب كثيراً عملية استيعاب القيم الوطنية.
رابعاً، حركات الإسلام السياسي؛ التي برزت بعد ما سمي "الربيع العربي"، وباتت تقدم الإسلام بمواصفاتها ومقاديرها الخاصة، وبما ينسجم مع أهدافها وتوجهاتها السياسية، بغض النظر عن ما يبغيه الإسلام الحقيقي.
خامسا، المنظمات الدولية غير الحكومية؛ لأن عملية تسييسها وتوظيفها لأجندات أمنية واستخبارية سهلة جداً، طالما أنها تمتلك الشرعية للتدخل في شؤون الدول تحت ذرائع مختلفة.. إننا في هذه المرحلة علينا أن نعمل على مأسسة كل الجهود الوطنية، لتعنى بتهيئة المجتمع للتكيّف مع عملية التطوير القيمي التي ترعاها القيادة، وتضع المؤشرات العلمية لقياس شدة ونطاق القيم الوطنية على مستوى الدولة، مع تحديد مصادر التهديد القيمي ورصد اتجاهاتها، وكشف نواياها الحقيقية.
هذه هي الخطوة الأولى لحماية قيمنا الوطنية، وبناءً على مخرجات هذه الخطوة سنخطط للسياسات المناسبة لحماية وتحديث منظومة القيم الإماراتية.