بعيداً عن التداعيات الدبلوماسية والسياسية لظاهرة تسريبات «ويكيليكس»، التي انتشرت انتشار النار في الهشيم وصارت حديث الناس.. كل الناس، وفي شتى بقاع العالم المتقدم والنامي والماضي في اتجاه النمو.. الجميع أصابتهم الدهشة..
في مقال سابق بعنوان «التداعيات الاجتماعية للأزمة الاقتصادية»، أشرنا إلى كتاب إلفين توفلر «صدمة المستقبل»، الذي سرد فيه حجم ومدى التغيرات المتسارعة التي تجتاح المجتمعات الإنسانية مع عصر الألفية «الميلينيوم»، مشيراً إلى المخاطر التي تواجه البشرية مع طلائع النظام العالمي الجديد.
ولكنه عاد ليقول في كتابه الثاني «الموجة الثانية»، إن العولمة هي الخطر الحقيقي الذي يتهدد حياتنا.. العولمة «تسونامي» يقتلع الأشجار من جذورها.. لا تعترف بالجغرافيا ولا تلقي بالاً لحدود الدول.. وتمضي لتبشر بعالم الفضاء المفتوح والشبكة العنكبوتية «الانترنت».
وتدفقات مواد إعلامية تتابع الأحداث، حتى قبل وقوعها.. إذ أصبح ميسوراً أن يرى الإنسان ما يجري داخل المنازل والمكاتب، عندما يتصفح أحد المواقع ومحركاتها.. أو يتابع القنوات الفضائية.
في تقديري أن تسريبات «ويكيليــكس» تعبر عن أزمة، والأزمة ما هي إلا أقصى درجات المشكلة.. إنها أبانت لنا بجلاء أن ما حدث وما قد يحدث، أصاب الأخلاق في مقتل.. رب قائل إن التسريبات سلوك فردي لإنسان فوضوي وغير مسؤول، ونحن في هذا الجزء من العالم قد لا يهم الكثيرين منا لماذا حدثت هذه التسريبات .
وما مدى شرعيتها.. مع أن الثابت أن أكبر خزينة للمعلومات الدبلوماسية في العالم، تعرضت للسرقة في وضح النهار! وأن كل الذي فعله «جوليان أسانج»، هو أنه سار مع تيار العولمة، فدفعته إلى حيث القيم المتصدعة والأخلاق المستهترة، والتقاليد المذابة في خضم هذا التيار الكاسح، الذي لا تجرؤ دولة أو نظام على إيقافه.. أو إبطال مفعوله.
هكذا ستعربد العولمة باقتصادات الدول، وستنتهك حريات وأسرار الناس الشخصية.. العولمة لص شريف يدخل خزائننا نهاراً ونحن مبصرون.. يصول ويجول داخل البيوت.. ويحمل أسرارنا وأمتعتنا إلى الأسواق المفتوحة، حيث تتم عملية البيع (بالفيزا كارد)..
أما مستر «أسانج» الذي تم اعتقاله في لندن بعد تسريباته، بتهمة لا علاقة لها بالتسريبات العنكبوتية.. ثم أطلق سراحه بضمان مالي، ولا أريد أن أقول بصفقة سرية.. المهم أنه سواء تمت محاكمته أو أطلق سراحه، ستبقى العولمة.
وهي المتهم الحقيقي، طليقة تمارس عروضها على مرأى ومسمع الجميع.. تعبث بعقول أبنائنا وبناتنا آناء الليل وأطراف النهار.. حاملة معها شعار «سفير النوايا الحسنة».. أي أن العولمة حولت العالم إلى مسرح عبثي.. أبطاله ناشطون ودعاة شعارات يتم الترويج لها كل يوم، باسم حقوق الإنسان!
وكان الصحافي الفرنسي «رينو جيرار» قد أشار إلى ذلك في مقالة نشرتها صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، بما يفيد أن التسريبات أفقدت الدبلوماسية ملابسها.. ومن فرط الدهشة والانبهار، فقدت تباعاً انضباطها وخصوصيتها.. أي أننا حقاً نعيش في عالم الأسرار المكشوفة.. عالم استهلاكي يستهلك حتى القيم الأخلاقية.. فإذا ذهب المستر «أسانج»، فهناك حتماً قادمون جدد يمارسون ألاعيبهم في مكان ما، تحت الأرض أو فوقها..
ومن لا يستطيع إحكام إقفال خزينته، فإن أسراره الخاصة سيتم نشرها على حبل الغسيل! ولن تستطيع «الشرعية الدولية» الإمساك بالسارق، لأن الشرعية الدولية من ضحايا التيار الكاسح لرياح العولمة، الذي يضرب الشواطئ والوديان والأدغال والصحارى والمنازل. بقي أن أقول إن عالمنا فيه الكثير من الأذكياء وأخيار البشر والعلماء.
والفاعلين الاجتماعيين والناشطين في ميادين العمل الإنساني، والمبشرين بالمثل العليا والبيئة النظيفة، والداعين إلى إحياء قيم الحق والخير والجمال. وتأسيساً على ما تقدم، فنحن في أمس الحاجة إلى نظام عالمي اجتماعي جديد، لأن تسريبات «ويكيليكس» دقت ناقوس الخطر، وكأنها تريد أن تقول لنا بأعلى صوت «انتبهوا أيها السادة».. لا تتركوا خزائن أسراركم عرضة للسارق.. للص الشريف المعروف باسم «العولمة».. وسفير النوايا الحسنة.