ما هو طعم الحياة؟ وما هو معناها؟ هل نحن نعيش كالطيور أم كالأنعام؟ أم كالحجر! أم ماذا.. ربما تُعلمنا تجاربنا أن الحياة تستمر، سواء كنا من الأحياء أو بين الأموات. إننا جزء من ذرة من التراب، وفي أحسن الحالات جزء من قطرة ماء.. أليس للإنسان دور في هذه الحياة؟!
كم من إنسان كان بيننا، يضحك، ويبكي، ويعمل، وكأنه سوف يعيش للأبد، وفجأة نصعق يوماً بخبر انتقاله إلى العالم الآخر..
لم أكد أصدق أن ذلك العزيز قد رحل عنا.. وأنه غادرنا من دون وداع، وبلا عودة.. ينقل لك النبأ المفجع، فأنت مدعو إلى المقبرة، لترى ذلك الإنسان في كفنه الأبيض، وحوله كل الأصدقاء، وربما الأعداء، وكل تدور أشرطة ذكرياته مع ذلك الإنسان الذي واراه التراب...
كم هي كئيبة هذه السنة، والتي تحمل الرقم المشؤوم 13.. أجل إنه الرقم الذي يكرهه معظم الثقافات، وتعتقد أنه مصدر للشر.. وعلى الطرف الآخر، ربما يتفاءل به بعض الشعوب!.
أيها الصديق.. الحكيم والطيب، لم أكن أتوقع أن أودعك.. أنت الذي انتقلت إلى السلك الدبلوماسي، وأصبحت سفيراً لبلدك في الكويت، ذلك البلد الذي أعطانا الكثير في الماضي، إلا أنه أخذ منا أعز إنسان.. وأرق إنسان، إنسان لم تفارقه الابتسامة والطيبة يوماً.. إنسان دائم العطاء..
كنت يا "علي" محباً للحياة وللفن، ألم تكن شريكة حياتك تحمل الريشة، ترسم بها الحياة بالألوان، وأحياناً باللون الأسود!.
عزيزي.. لقد رأيت الدموع في عيني زوجتي وابنتي، وهما ممن يعزونك كثيراً، ويقدرون فيك روح الإنسان.. أما صديقك الدكتور "خليل قايد"، فقد كاد الحزن يلجم كلماته حينما علم بالخبر.. ما هذا الزمن القاسي على الأحياء ممن يفقدون أصدقاءهم واحداً تلو الآخر!.
فمن مات فقد ارتاح من هذه الدنيا، أما الأحياء، فإنهم يذوقون الألم والمرارة والحزن لفقدانه.. ولا مرد لقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره.. والأعمار بيد الخالق وحده سبحانه..
أيها الإنسان.. كل منا يسير في طريق.. إلا أن نهايته واحدة للجميع، وهي العودة إلى الأم، إلى الأرض، والذوبان في ترابها لنصبح جزءاً منها، فالأرض هي الحاضنة لنا، سواء كنا أحياء أو بعد الموت..
لقد أنعم الله علينا بنعمة النسيان، والعودة مجدداً لمزاولة الحياة، والمسيرة مستمرة ليحل إنسان مكان آخر، قد يخفف الحزن، وينشر نسائم حب الحياة من جديد..
إن الحياة حلوة يا صاحبي، والحزن لحظة عابرة في حياتنا، فكما حزنّا على راحل عنا، سوف يُحزن علينا يوماً، وهذه هي روعة الحياة يا صديقي، يا من ستظل في الذاكرة بعد زوال الجسد..
ألا يتعلم الإنسان أن الأسباب عديدة، إلا أن النهاية واحدة، وهي الفناء، وأن الخلود خرافة لا يمكن تحقيقها، مهما بلغت من القوة أو النفوذ أو الجاه والمال..
لعل الوجود للعديد من الكتب، والمؤلفات التي قد تتجاوز أعمارها لمئات السنين، هي التي تجعل مؤلفيها أحياء بالرغم من مرور الزمن، فلا نزال نقرأ لابن خلدون والفارابي وأرسطو وأفلاطون وابن رشد.. وغيرهم، بالرغم من مرور العديد من القرون على رحيلهم.. إلا أن نتاجهم الفكري والإبداعي سيظل موجوداً طالما هناك حياة، وهناك من يحب القراءة والغوص في أعماق الكلمات..
إن المكتبة هي الحياة.. فأنت تعيش مع مئات الأموات أحياناً.. لكن تشاركهم حياتهم السابقة كلما أمسكت كتاباً من كتبهم، وبمختلف اللغات.. من خلال أعمالهم الباقية، وتزداد معرفة بالعلم، وربما بالخرافة أيضاً..
رحمة الله عليك صديقي الدكتور علي بن شكر، وأسكنك فسيح جناته..