يلعب التدخين دوراً كبيراً في حياة غالبية الناس، ومع ذلك فإن القليل للغاية يقال عنه. وقد كتبت بالفعل مقالاً عن تجربتي في صدر الشباب، عندما ذهبت للمرة الأولى إلى قطر ومنعت شاباً من التدخين، والتقيت رجل أعمال من عـُمان في منتصف العمر، وقد حدثني بأنه لم يدخن سيجارة واحدة منذ ذلك اليوم الذي منعته فيه من التدخين، وأنه ممتن لي أشد الامتنان لإقناعه بالإقلاع عن التدخين بينما الجميع من حوله يدخن.
إنني أكتب كما لو كنت شخصياً ممتنعاً عن التدخين، ولكنني في الواقع خضت صراعاً طويلاً ضد الإدمان على التدخين، ولا بد أنني كنت في حوالي الثانية عشرة من عمري عندما دخنت سيجارة للمرة الأولى من علب السجائر الكثيرة التي كانت متناثرة في البيت، حيث إن أبواي كليهما كانا مدمنين على التدخين. وفي الجامعة لم يكن هناك طالب يدخن، على الرغم من أنني أتذكر أن صديقي الأثير جيفري باوا القادم من سريلانكا، اعتاد تدخين نوعية باهظة الثمن من السجائر.
عندما ذهبت للعمل في هيئة الإذاعة البريطانية قبيل الحرب العالمية الثانية، وجدت أن جميع زملائي من المدخنين، وأنه في ضوء المرتب البائس الذي كنت أتقاضاه، كان من الصعب علي تدخين السجائر العادية. ومن هنا فقد انتقلت إلى تدخين خليط رخيص من الأعشاب في غليون، الأمر الذي أسفر عن أن رئيسي في العمل الذي كنت أشاركه المكتب قد وجد النتيجة مزعجة للغاية، بحيث إنه رتب حصولي على مكتب خاص بي بعيداً عنه، كما رتب لي سكرتيرة سرعان ما أصبحت صديقتي.
وبحلول الوقت الذي مضيت فيه إلى القاهرة للعمل في المجلس البريطاني، كنت قد أصبحت مدمناً على التدخين، ومنذ ذلك الوقت مضيت أدخن من الصباح الباكر حتى الوقت الذي آوي فيه إلى فراشي. وكان جميع أصدقائي المصريين من المدمنين على التدخين، ويشعلون سيجارة من الأخرى دون استعانة بعود ثقاب أو قداحة.
ومن هؤلاء المدمنين على التدخين صديقي د. لويس عوض، الذي أصبح رائد ترجمة الكتب من الإنجليزية إلى العربية، وكان يقوم بذلك في جلسات تستغرق ساعات طويلة لا يبعد خلالها السجائر عن فمه، ودخن أرخص النوعيات وهي نوعية مصرية محلية تعرف باسم "هوليوود". وقد توفي في عمر مبكر نسبياً من جراء تأثيرات التدخين، وأتذكر أنني زرته في المستشفى حيث توسلت إلي إحدى الممرضات أن أحاول منعه من التدخين بإفراط على نحو ما كان يفعل آنذاك.
لم يكن معظم الناس في ذلك الوقت يدركون المخاطر الطبية التي يشكلها التدخين، وذلك رغم أنني أتذكر العادة المثيرة للفضول التي درج عليها محمود تيمور، أشهر كتاب عصره، والذي كانت مجموعة قصصية له أول كتاب قمت بترجمته من العربية إلى الإنجليزية ونشرته على نفقتي، وأتذكر أنه كانت لديه العادة الغريبة المتمثلة في إخراج علبة سجائر فضية كان يحتفظ بالسجائر فيها، ثم يخرج سيجارة منها ويقطعها إلى نصفين بمطواة صغيرة، ويعيد نصف السيجارة إلى العلبة ويضع النصف الآخر في مبسم أنيق، ولم أسأله قط عما إذا كانت هذه العادة ناجمة عن اعتقاده بأن التدخين ضار بصحة المرضى.
في حقيقة الأمر، فإنه في تلك الأيام الأولى كانت مسألة احتمال أن يكون التدخين ضاراً بصحة المرء، بعيدة عن أن تطرح في النقاش، وذلك على الرغم من أن الكثير من المسلمين المتدينين مثل صديقي الراحل عز الدين إبراهيم، كانوا يرفضون التدخين بإصرار على اعتبار أنه من المحرمات، واضعين تدخين السجائر في الفئة نفسها التي ينتمي إليها شرب الخمر. ورغم إدراكه أنني مدخن عتيد، إلا أنني امتنعت عن التدخين في حضوره.
وبينما كان الكثير من الناس يدركون مخاطر التدخين، فإنه لم يتم الاعتراف بشكل كبير بطبيعة هذه المخاطر، إلا بعد أن جعلت بعض الحكومات هذا القرار إجبارياً، بحيث يحمل جميع علب السجائر تحذيراً من مخاطر التدخين. وبمرور الوقت أصبحت مثل هذه التحذيرات أكثر صراحة ووضوحاً، ولكن المدخنين المدمنين واصلوا الانغماس في عادتهم الخطرة.
وقد حاول بعض الحكومات التقليل من أعداد المدخنين، بالقيام تدريجياً بزيادة قيمة الضريبة التي تحصلها الحكومة عن كل علبة سجائر مباعة، بل إنه تم توظيف كلمة "الموت" بحيث توضع على علب سجائر معينة. ولكن هذا، فيما يبدو، مضى من دون اكتراث.
واستيقظ الأطباء بصورة تدريجية فحسب على الأخطار التي يشكلها التدخين، رغم أنه أصبح من المطلوب بعد ذلك لدى توجه المرء إلى الطبيب، أن يعلن ما إذا كان مدخناً أم لا، ولدى قيامه بذلك عليه اتخاذ القرار الصعب، المتمثل في مواجهة عواقب التدخين الخطرة من الناحية الصحية.
وبينما كنت أدرك أن تدخين حوالي 40 سيجارة يومياً لم يكن أمراً مفيداً لي، وأن نوبات عديدة من الإنفلونزا تترتب على تلك العادة، فإنني واصلت استهلال يومي بتدخين سيجارة، ثم فجأة قررت أن أتبين ما إذا كنت قادراً على الإقلاع عن التدخين، وقررت أيضاً أن أسجل في يومياتي عدد السجائر التي دخنتها في اليوم السابق، على امتداد فترة وصلت إلى شهور عدة، ووجدت ذات يوم أنني قد أمضيت أسبوعاً بكامله دون تدخين سيجارة واحدة.
ومنذ ذلك الحين أقلعت عن التدخين، وبذلت قصارى جهدي لأمنع الآخرين عنه، وأنا الآن أجد هذه العادة منفرة، ووصلت إلى مرحلة أصبحت فيها أرفض استخدام سيارة أجرة سبقني أحد إلى التدخين فيها.