يوماً بعد يوم تنكشف أسرار هذه "الاستماتة" في الدفاع عن "الإخوان"، من جانب إدارة أوباما وحلفائها في الغرب وأذنابها في المنطقة. في الأسبوع الماضي قال قائد جيش مصر الفريق السيسي، إن أحد قيادات "الإخوان" قد قال له إنهم "جاءوا ليحكموا 500 سنة"! والأغلب أنه كان يقصد خيرت الشاطر، وقبلها كان الشاطر نفسه قد هدد في لقاء مع السيسي، بأن أي مساس بحكم الإخوان سوف يقابل بالعنف!

أما الرئيس المخلوع مرسي، فلم يكن فقط في حالة غياب عن الواقع من حوله، بل كان أساساً يتصرف اعتماداً على ما قاله قبل عزله بأيام، من أن شيئاً لن يحدث "لأن أميركا تؤيدنا" كما قال!

إذا أضفت ذلك إلى ما أصبح معروفاً عن الصفقة التي عقدتها الإدارة الأميركية مع "الإخوان"، ورهانها على حكمهم لمصر وغيرها من البلاد العربية، واعتمادها لهم حليفاً أساسياً في مخطط تقسيم المنطقة وإنهاء عروبة العرب.. فسوف تدرك سر "الاستماتة" في الدفاع عن "الإخوان" حتى اللحظة الأخيرة، وسوف تدرك أيضاً كيف أراد الله خيراً لمصر وللعرب، بأن جعل "الإخوان" يقترفون من الأخطاء والجرائم في عام حكمهم البائس، ما أدخلهم في مواجهة مع مصر كلها، ثم كيف أراد الله خيراً لمصر والعرب بأن وحد شعبها وجيشها لإسقاط حكم الإخوان الفاشي.

 ثم كيف أراد الله خيراً لمصر والعرب بهذه الوقفة الشجاعة والحاسمة من السعودية والإمارات، ثم من الأشقاء في الكويت والبحرين وغيرها، لتقلب الموازين ويدرك أصحاب المؤامرة على مصر والعرب أن مؤامرتهم لن تمر.

الكثير من أسرار هذه المرحلة الخطيرة لم يأت أوان الكشف عنه، ولكن تكفي الإشارة إلى أن ما قاله الفريق السيسي لصحيفة "واشنطن بوست"، حين أكد أن شعب مصر لن ينسى الموقف السلبي للرئيس الأميركي أوباما من ثورة 30 يونيو التي أسقطت حكم الإخوان، كان عنواناً لخطورة ما جرى من واشنطن، وكان إعلاناً بأن المؤامرة قد تجاوزت كل الحدود.

ورغم أن الإدارة الأميركية تجنبت التصعيد على الجانب الرسمي، وحاولت الاحتفاظ بقناة بين السيسي ووزير الدفاع الأميركي، إلا أن المؤامرة كانت تتخذ أبعاداً جديدة باستخدام أطراف أوروبية، وذيول تابعة في المنطقة، وإعلام كشف عن انحيازه المطلق.

كان واضحاً أن تشجيع "الإخوان" على محاولة حرق مصر، وغض الطرف عن الحرب التي تشنها عصابات الإرهاب في سيناء، وإعطاء الغطاء الأميركي ـ الأوروبي لمحاولة نشر الفوضى في مصر، لم يكن إلا مقدمة لتدويل القضية وفتح الطريق أمام التدخل الأجنبي في مصر.

وكان توحد الشعب والجيش في مقاومة المؤامرة ورفض كل الضغوط الأجنبية، هو بداية النهاية لهذا المخطط. ثم كانت الضربة القاصمة، بالموقف الحاسم الذي أعلنته المملكة العربية السعودية بالوقوف مع مصر في وجه المؤامرة، ومسارعة الإمارات العربية المتحدة بتأييد هذه المواقف وتسخير إمكانياتها لدعم مصر. ومع توالي المواقف المؤيدة من الأشقاء العرب من ناحية، والضربات التي تم توجيهها لقوى الإرهاب في مصر وعلى رأسها الإخوان من ناحية أخرى، كانت الأوضاع تسير نحو الأفضل، وكانت الضغوط الأميركية والأوروبية تتراجع، وكانت هزيمة المؤامرة على مصر تقترب.

بالطبع، ما زالت الأوضاع خطيرة، وما زال الإرهاب يضرب في سيناء وخارجها، وما زالت أطراف المؤامرة تعمل.. ولكن القضية الأساسية قد حسمت. سقط للأبد حكم الفاشية الإخوانية في مصر، والآن تسقط الجماعة ويقبع المرشد في السجن، والأهم أن العداء الشعبي لها بلغ درجة غير مسبوقة، وأنها قد أصبحت موصومة كجماعة إرهابية مثل باقي الجماعات التي تتم مطاردتها، وأن قيادتها موصومة بالعمالة وخيانة الوطن، بعد ما عقدته من صفقات مشبوهة أثناء حكمها، على حساب أرض الوطن واستقلاله، وبعد ما ارتكبته بعد السقوط من محاولة إشعال الحرب الأهلية وتسول التدخل الأجنبي!

ويبقى الأهم بالنسبة للمستقبل، وهو مغزى تحرك السعودية والإمارات وباقي الأشقاء العرب، في هذه اللحظات الحاسمة للوقوف أمام مؤامرة تركيع مصر. هذا التحرك المهم لا تتوقف آثاره عند إبطال المؤامرة، ولكنه يؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة ومستقبل العمل العربي المشترك.

لم يكن الأمر هنا مجرد تضامن مع شعب شقيق، بل كان تحركاً استراتيجياً بكل معنى الكلمة، ينطلق من إدراك لحجم المؤامرة على مصر، وخطورة الصفقة التي تمت بين أميركا وحلفائها وبين الإخوان.

ولم يكن التحرك الذي قادته السعودية ومعها الإمارات سهلاً. كان يعني التحدي لقوى كبرى راهنت على "الإخوان" وعقدت معهم صفقات مشبوهة، كما يعني الوقوف في وجه قوى الإرهاب التي تريد أن تعصف بمصر وبالعالم العربي. وكان يعني رفض المؤامرة لبيع مستقبل العالم العربي لجماعات تتاجر بالدين وهي تبيع الأوطان وتفرط في استقلالها.. كان يعني رفض خرائط جديدة تحول الوطن العربي إلى مناطق نفوذ للقوى الأجنبية.

ما حدث مهم وخطير، ولهذا لن تتوقف المناورات والضغوط والمؤامرات لقطع الطريق على آثاره. ما زالت مصر تمر بمرحلة صعبة، ولكنها مرت بالأصعب، وستهزم الإرهاب والتطرف. وستكون نهاية حكم "الإخوان" في مصر هي الخطوة الأولى والأساسية لإنهاء مخطط إخضاع العالم العربي لحكم المتاجرين بالدين، وجره إلى حروب الطوائف. لكن الأهم أن نفتح أبواب المستقبل بناء على القاعدة التي أرساها التحرك الاستراتيجي، الذي قادته السعودية والإمارات لدعم مصر في معركتها الحاسمة.