ديترويت والعقد الاجتماعي الأميركي

يمكن النظر إلى إفلاس ديترويت، وهو أكبر إفلاس لمدينة أميركية في التاريخ، على أنه فشل في المفاوضات السياسية حول الكيفية التي ينبغي بها تقسيم التضحيات المالية بين مقرضي المدينة، وعمالها، والمتقاعدين في البلدية، وهو ما يستلزم عوضا عن ذلك، أن تبت محكمة في الأمر، كما تمكن رؤيته كتتويج حتمي لعقود من الاتفاقات مع نقابات العمال، تلك الاتفاقات التي قدمت لعمال المدينة معاشات تقاعد ومنافع صحية لا يمكن تحمل تكاليفها.

لكن هناك قصة أعمق هنا، ويجري تكرارها في كل أنحاء أميركا، وهي أن الأميركيين ينفصلون حسب مستويات الدخل أكثر من أي وقت مضى. منذ أربعين عاماً، كانت المدن في معظمها، بما في ذلك ديترويت، خليطاً من السكان الأثرياء ومتوسطي الحال والفقراء.

أما الآن فإن كل فئة دخل تميل إلى العيش منفصلة عن الأخرى، في مدنها الخاصة، وقاعدتها الضريبية الخاصة، ومؤسساتها الخيرية التي تدعم من جهة مدارس ممتازة وحدائق متألقة، وخدمات أمنية سريعة الاستجابة، ونقل كفء، وخدمات أخرى من الدرجة الأولى، أو في الجهة المقابلة، مدارس رهيبة، وحدائق متداعية، وارتفاع في معدلات الجريمة، وخدمات من الدرجة الثالثة.

والانقسام الجغرافي السياسي أصبح واضحا جدا، إلى حد أن كونك ثريا في أميركا اليوم يعني أن لا تصادف شخصا ليس كذلك.

وديترويت جزيرة فقيرة إلى حد رهيب، ومعظمها من السود، وهي مهجورة بشكل متزايد، وسط بحر من الوفرة النسبية التي هي في الغالب من أوساط البيض، وضواحيها من بين الضواحي الأكثر ثراء في البلاد. فمقاطعة أوكلاند، مثلا، هي رابع أغنى مقاطعة في الولايات المتحدة بين المقاطعات التي يقطنها مليون أو أكثر من السكان.

وديترويت الكبرى، التي تشمل الضواحي، هي بين المراكز المالية الخمسة الأكبر في البلاد، كما أنها بين المراكز الأربعة الأولى في مجال التوظيف في التكنولوجيا المتقدمة، وثاني أكبر مصدر للمواهب الهندسية والمعمارية. وليس جميع سكانها أثرياء بالتأكيد، لكن الأسرة المتوسطة في المنطقة تجني ما يقرب من 50 ألف دولار في السنة، والبطالة ليست أعلى من المعدل على مستوى البلاد.

والأسرة المتوسطة في برمنغهام، في ميشيغان على مقربة من مدينة ديترويت وضمن منطقة المدينة نفسها، حققت أكثر من 94 ألف دولار السنة الماضية. وفي "بلومفيلد هيلز" القريبة، والتي تقع ضمن منطقة مدينة ديترويت نفسها، كان المتوسط أكثر من 150 ألف دولار.

لكن متوسط دخل الأسرة داخل مدينة ديترويت يبلغ حوالي 26 ألف دولار، والبطالة مرتفعة بشكل مذهل، وواحد من كل ثلاثة من السكان يعيش في الفقر، وأكثر من نصف أطفال المدينة يعانون من الفقر.

من عام 2000 إلى 2010، خسرت ديترويت ربع سكانها، حيث فر البيض والطبقة الوسطى إلى الضواحي، ما أدى إلى تدن في أسعار العقارات، وأحياء مهجورة، ومبان فارغة، ومدارس رديئة، وارتفاع في معدلات الجريمة، وقاعدة ضريبية تنكمش بشكل كبير.

والمدينة أغلقت أكثر من نصف منتزهاتها في السنوات الخمس الماضية، كما أن 40% من أضواء شوارعها لا تعمل، وانخفض عدد سكانها من ذروة 1.85 مليون نسمة عام 1950، إلى 700 ألف نسمة اليوم.

لكن ديترويت الكبرى، أي ديترويت وضواحيها، لم تنكمش. وفيما عدد سكان مدينة ديترويت تراجع بنسبة 63% بين 1950 و2012، ازداد عدد سكان ديترويت الكبرى بنسبة 42% خلال الفترة ذاتها، وأثرياء ديترويت ومعظم الطبقة الوسطى فيها، انتقلوا من المدينة إلى الضواحي.

وحيز كبير من تاريخ أميركا الحديث يعتمد على موقع رسم الحدود، ومن يكون في الداخل ومن في الخارج، ومن يشمله العقد الاجتماعي.

وفي حال تعريف ديترويت بمنطقة المدينة الكبرى الأوسع مساحة، والتي تضم ضواحيها، فإن لديها ما يكفي من المال لتوفر خدمات عامة ملائمة إن لم تكن جيدة لجميع سكانها، من دون الوقوع في الإفلاس.

والأمر يتوقف على مسألة ما إذا كانت المناطق الأكثر ثراء في "ديترويت"، على استعداد لدعم المدينة الداخلية الفقيرة من خلال أموال دافعي الضرائب، ومساعدتها على النهوض مجددا. وهذا السؤال المحرج، ربما تفضل المناطق الأكثر ثراء على الأرجح عدم مواجهته.

ورسم الحدود ذات العلاقة لتشمل فقط المدينة الداخلية الفقيرة، ومن ثم توقع أن يهتم أولئك ضمن تلك الحدود بمشاكلهم المتفاقمة بأنفسهم، يحرر السكان الأكثر بياضا والأكثر ثراء في الضواحي من مسؤولياتهم وواجباتهم.

فمدينتهم ليست في ورطة، بل تلك الأخرى التي تدعى "ديترويت". والأمر أشبه تقريبا بمصرف في وول ستريت يرسم حدودا حول أصوله السيئة، ويبيعها بأسعار مخفضة للغاية ومن ثم يشطب الخسارة.

لكننا هنا نتعامل مع بشر بدلا من رؤوس أموال، والبيع بأسعار مخفضة للغاية، على الأرجح سيؤدي إلى خدمات بلدية أكثر سوءا، ومدارس أكثر رداءة، وإلى المزيد من الارتفاع في الجريمة للباقين في مدينة ديترويت. وفي ظل عصر من عدم المساواة المتفاقمة، فإن هذه هي الطريقة التي يحذف بها الأثرياء الأميركيون الفقراء من حياتهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات