أكتب عشية عيد الفطر المبارك، وبعد إعلان رئاسة الجمهورية في مصر عن نهاية كل المساعي التي شاركت فيها أطراف دولية وعربية لحل الأزمة بلا نتيجة، وحملت جماعة "الإخوان" المسؤولية عما حدث، وما سيحدث.
باستثناء الإمارات التي مثلها وزير الخارجية سمو الشيخ عبدالله بن زايد، لم تكن الغالبية العظمي من شعب مصر تثق في الأطراف التي تشارك في هذه المساعي، ومع ذلك سمحت الحكومة بالاستمرار في هذه الجهود حتى اللحظة الأخيرة، ربما لاستغلال العلاقات الوثيقة بين هذه الأطراف وبين جماعة "الإخوان"، .
وربما بعد أن أصبح هناك واقع جديد لا يمكن تجاوزه، وبعد تطور الموقف الأميركي بالذات مع تصريح وزير الخارجية جون كيري الذي قال إن الجيش في مصر لم يقم بانقلاب بل استعاد الديمقراطية،وربما لإجهاض المحاولات الدعائية المعادية لمصر وثورتها في الخارج والتي أصبح واضحاً أنها تدار بواسطة التحالف الدولي الذي راهن على "الإخوان".
ورغم كل التنازلات التي قدمتها الحكومة المصرية لتسهيل الاتصالات بقيادات الإخوان داخل وخارج السجون، فقد كان غريباً أن تتحطم كل الجهود أمام حالة "عناد" من الجماعة ليس لها ما يبررها في الواقع خاصة بعد أن حسم الأمر مرة أخرى في تظاهرات 26 يوليو غير المسبوقة.
ربما نجد تفسير ذلك في الزيارة المهمة التي قام بها عضوا الكونغرس الأميركي البارزين الجمهوري ماكين والديمقراطي جراهام، وما صدر فيها من تصريحات أشعلت الموقف في القاهرة، والتي اضطرت الرئاسة المصرية للرد على ما جاء بها من استفزازات ومغالطات.
قبل هذه الزيارة كانت هناك عدة مؤشرات على تصاعد الأزمة بين القاهرة وواشنطن. وربما كانت تصريحات الفريق السيسي قائد الجيش المصري إلى صحيفة "واشنطن بوست" هي الدليل الأكبر على أن هذه الأزمة قد وصلت إلى منحنى خطير في علاقات البلدين. كان السيسي يتحدث بلغة جديدة لم تسمعها واشنطن منذ منتصف السبعينات،.
وكان يقول إن أوباما لم يتجاوب مع شعب مصر الذي ثار على نظام فاسد، وإن شعب مصر لن ينسى ذلك أبداً، وحين طالب السيسي أوباما باستخدام نفوذه على جماعة الإخوان المسلمين لإنهاء الأزمة كانت الإشارة واضحة بتحميل واشنطن المسؤولية عما فعله "الإخوان" أو ما سيفعلون.
وعندما صدر عن الرئاسة المصرية بعد ذلك تصريح بأن مصر تتعرض لضغوط خارجية، لكنها قادرة على حماية الثورة والدولة. وهو التصريح الذي ترافق مع الإعلان عن زيارة عضوي الكونغرس الأميركي، والمناورة التي صحبت هذا الإعلان، حين أكد البيت الأبيض أن عضوي الكونغرس لا يمثلان الإدارة الأميركية (رغم التنسيق معها) وكأن البيت الأبيض يعرف محتوى الرسالة التي جاء بها السياسيان الأميركيان البارزان والتي فاقت أي توقع!!
كانت الرسالة لـ"الإخوان"، اصمدوا نحن معكم حتى النهاية. وكانت المطالب للحكومة تتجاوز حتى مطالب "الإخوان" الذين كانوا قد تراجعوا عن التمسك بالإفراج عن مرسي نفسه بعد أن أدركوا أن العودة للماضي مستحيلة.
وكانت درجة الاستفزاز عالية بالتذكير بأن "ماكين " و"جراهام" كانا وراء عدم قطع المعونة الأميركية، ثم التأكيد بأن الأمر (عند الجد) لن يتوقف عند تأخير تسليم طائرات، بل سيمتد إلى أكثر من ذلك بمنع الاستثمارات ووقف السياحة، أي فتح الباب أمام العقوبات الاقتصادية، والأخطر من كل ذلك هو التلويح بـ" حمامات الدم"، يتحدث عنها ماكين ولا يتحدث عنها "الإخوان " ولا حتى إرهابيو القاعدة والجماعات الجهادية.
الغريب بعد ذلك أن يشكو السناتور ماكين من أن الإعلام المصري يقوم بـ"شيطنة" أميركا!!.. يبدو أنها "العدوى" انتقلت إليه من "الإخوان" حيث كان المرشد العام يصب لعناته صباح مساء على "الإعلام الكافر" في مصر، وعلى الصحافيين "إخوان الشياطين".
لم يكن الإعلام المصري مسؤولاً عن اختيار أميركا التحالف مع "الإخوان"، والسيد "ماكين" نفسه يعرف جيداً كيف تم ذلك، وقد كان هو الذي جاء للقاهرة واجتمع بخيرت الشاطر، وخرج يعلن انه لا مانع لدى أميركا من تولي "الإخوان" السلطة، بعد أن حصلت منهم على "الضمانات" اللازمة.
ولم يكن الإعلام المصري هو الذي جعل أميركا تسكت على الجرائم التي تمت في حق شعب مصر تحت حكم "الإخوان". ولا كان هو الذي جعل السفيرة الأميركية في مصر تفعل المستحيل لمنع سقوط "الإخوان" ثم تفعل المستحيل لكي يستمر "الإخوان" في رفض الاستسلام لإرادة الشعب!
ولم يكن الإعلام المصري هو المسؤول عن موقف واشنطن من ثورة الشعب في 30 يونيو. هذا الموقف الذي قال الفريق السيسي إن مصر لن تنساه أبداً، حيث مورست كل الضغوط، وتم تجنيد كل الحلفاء، ووضعت وسائل الإعلام العالمية لمحاربة ثورة شعب مصر المدعومة من جيشها.
ولم يكن الإعلام المصري هو المسؤول عن ترشيح واشنطن للسفير "روبرت فورد" ليخلف "باترسون" في القاهرة. وكأنها تقول إذا كنا قد فشلنا في استنساخ تجربة باكستان عندكم (وهي التجربة التي أنجزتها باترسون) فما رأيكم في تجربة العراق وسوريا التي كان السفير فورد طرفاً فيها؟
ولا شك أن واشنطن تتعامل بجد مع تصاعد عن الغضب الشعبي ضدها في مصر، ولكنها تعجز عن فهم المتغير الجديد في السياسة المصرية بعد 30 يونيو، وهو أن قضية السيادة الوطنية قد أصبحت تحتل مكانتها الرئيسية في وعي الناس بعد تجربة أليمة في التبعية للخارج، وبعد تجربة أكثر إيلاماً مع حكم الإخوان الذي أضاف إلى التبعية شيئاً جديداً وهو أن يكون الحكم في يد جماعة لا تعرف المعنى الحقيقي لـ"الوطن"!!
ورغم التصعيد الأميركي، فإن واشنطن تعرف أن المغامرة بالعلاقات مع القاهرة محفوفة بالمخاطر، وأنها هي المستفيد الأكبر من هذه العلاقات، وان مهما كانت خسارتها بسقوط الإخوان فإن الصدام مع القاهرة يعني جر المنطقة للفوضى وتعريض المصالح الأميركية فيها لأفدح الأخطار.