منطقة حقل تجارب استعمارية

تميّزَ انتهاء الحقبة الأوروبية الاستعمارية، التي امتدّت من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، بأن الاستعمار الأوروبي كان يخلي البلدان التي كانت تخضع لهيمنته، في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، بعد أن يوجِد فيها عناصر صراعات تسمح له بالتدخّل مستقبلاً، وتضمن إضعاف هذه البلدان التي قاومت الاستعمار وتحرّرت منه.

متغيّراتٌ دولية كثيرة حدثت بعد الحرب العالمية الثانية، وخلال العقود الماضية التي تبعت انتهاء الحقبة الأوروبية الاستعمارية، ومنها ظهور كتلة دول "العالم الثالث" التي حاولت التمايز عن معسكريْ "الشرق الشيوعي" و"الغرب الرأسمالي"، لكن انتهاء "الحرب الباردة" بين المعسكرين، مع غروب القرن العشرين، لم تكن نهايةً لنهج التنافس الدولي على العالم وثرواته ومواقعه الجغرافية الهامّة، كما هو موقع الأمَّة العربية وثرواتها الهائلة.

وقد كانت حقبة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن محطّةً هامّة في تاريخ أميركا والعالم كلّه، فهي تزامنت مع بزوغ فجر القرن الحادي والعشرين، الذي أراد صُنّاع القرار في واشنطن أن يكون أيضاً "قرناً أميركياً" كما كان القرن المنصرم. كذلك خضعت إدارة بوش الابن لحكم "المحافظين الجدد"، وما هم عليه من علاقات خاصة مع إسرائيل.

وما كان لديهم من أحلام بجعل العالم محكوماً من إمبراطوروية أميركية واحدة، وبتوظيفهم الكبير لأعمال الإرهاب التي حدثت ضدّ أميركا، من أجل تبرير حروبٍ وسياسات ما كان لها أن تحدث لولا "خدمات" جماعات "القاعدة" لهذه القوى، والتي تحكّمت على مدار 8 سنوات بالقرار الأميركي.

ولعلّ أبرز "إنجاز فاشل" لسياسة "المحافظين الجدد" كان الحرب الأميركية على العراق وما خلّفته من ويلات ودمار وخسائر بشرية ومادية باهظة. لكن بعد احتلال العراق، أطلقت إدارة بوش الابن ثلاثة شعارات، فشل منها اثنان وبقي الثالث رهناً بوقائع ومتغيّرات عربية. الشعار الأول كان عقب غزو العراق مباشرة عام 2003.

حينما تحدّث أكثر من مسؤول أميركي عن أنّ العراق سيكون "نموذجاً للديمقراطية" في الشرق الأوسط، وأنّ دولاً عديدة في المنطقة ستحذو حذوه. الشعار الثاني، كان عن "الشرق الأوسط الكبير" الجديد الذي سيخرج إلى الوجود بعد تفاعلات الحرب في العراق، وبعد حروب إسرائيل في لبنان وغزة في عام 2006 والتي دعمتّها بشدّة إدارة بوش الابن.

سقط حكم المحافظين الجدد في أميركا في انتخابات 2008، وسقطت معهم أحلام "الإمبراطورية الواحدة في العالم"، وأصبحت التجربة الأميركية في العراق "نموذجاً" للفشل والكذب والخداع في السياسة الأميركية، ولم تتدحرج أنظمة المنطقة خلف "الدومينو العراقي".

كما توهَّم وراهن "المحافظون الجدد"، وكذلك كان مصير شعار "الشرق الأوسط الكبير"، والمراهنات في القضاء على ظواهر المقاومة ضدّ إسرائيل، بعد حربيْ صيف 2006 في لبنان ونهاية 2008 في غزّة. أمّا الشعار الثالث، الذي أطلقته الوزيرة كونداليزا رايس خلال الفترة الثانية من حكم بوش الابن، فكان عن "الفوضى الخلاّقة" والتي كانت المراهنة على حدوثها في بلدان الشرق الأوسط، من خلال تفاعلات الأزمات الداخلية في دول المنطقة.

ولعلّ ما حدث ويحدث في السنتين الماضيتين في عدّة بلدانٍ عربية، يؤكّد أنّ شعار "الفوضى الخلاّقة" لم ينتهِ مع نهاية حكم "المحافظين الجدد"، وأنّ المراهنات ما زالت قائمة على هذا الشعار، رغم التغيير الذي حدث في الإدارة الأميركية.

الوقائع والتجارب كلّها تؤكّد وجود أهداف ومصالح ومؤسسات أميركية، محصّنة ضدّ تأثيرات ما يحدث في الحياة السياسية الأميركية من تحوّلات وصراعات انتخابية محلّية.

ولعلّ أبرز مضامين الرؤية الأميركية للشرق الأوسط في مطلع القرن الجديد، هو ضمان التحكّم فيه، كأحد أهمّ مصادر الطاقة الدولية، لعقودٍ عديدة قادمة، خاصّةً وأنّ المنافسين الجدد للقطب الدولي الأعظم حالياً، يعتمدون في نموّ اقتصادهم على الشرق الأوسط، إضافةً إلى التنافس الدولي التاريخي على ما تمتاز به المنطقة من موقع جغرافي استراتيجي.

ولأنّ التواجد العسكري الأميركي لم يكن وحده كافياً من أجل تحقيق الرؤية الأميركية المطلوبة للمنطقة، فقد شجّعت "المؤسسات الأميركية" على توفير ثلاثة عناصر سياسية، وبشكلٍ متلازم مع الوجودين العسكري والأمني:

1- تغيير التركيبة السياسية القائمة في بعض دول العالم الإسلامي، لتصبح مبنيّةً على مزيجٍ من آليات ديمقراطية وفيدراليات إثنية أو طائفية، حيث إنّ الانقسامات الإثنية أو الطائفية، دون توافر "سياق ديمقراطي" ضابط لها في إطار من الصيغة "الدستورية الفيدرالية"، يمكن أن تكون سببَ صراعٍ مستمر يمنع الاستقرار السياسي والاقتصادي المنشود بالرؤية الأميركية.

2- التركيز على هويّة "شرق أوسطية" كإطار جامع لبلدان المنطقة. لهذا يدخل العامل الإسرائيلي كعنصر مهم في مستقبل "الشرق الأوسط" المنشود أميركياً، إذ بحضوره الفاعل، تغيب الهويّتان العربية والإسلامية عن أيِّ تكتّل إقليمي محدود أو شامل.

3- العنصر الثالث المهم، في الرؤية الأميركية للشرق الأوسط، يقوم على ضرورة إنهاء الصراع العربي/ الإسرائيلي، من خلال إعطاء الأولوية لتطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل، وعدم انتظار تحقيق التسوية الشاملة.

ولعلّ خلاصات هذه الرؤية تفسّر المواقف الأميركية الآن من عدّة حكومات ومعارضات وقضايا عربية، تتفاعل في ما عُرف باسم "الربيع العربي". ولم يكن ممكناً طبعاً فصل ملف الأزمة الأميركية مع إيران عن ملفات "الأزمات الأخرى" في المنطقة العربية، وعن حلفاء طهران في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين.

ومن رحم هذه الأزمات على الأراضي العربية توالدت مخاوف سياسية وأمنية عديدة، أبرزها كان ولا يزال مخاطر الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، خاصّةً في ظلّ الحراك الشعبي العربي الحالي، وما يرافقه أحياناً من عنفٍ مسلح وصراعات وتنافس على الحكم وعلى المعارضة.

والمحصّلة من ذلك كلّه، أنّ إدارة أوباما قد مارست مراجعة عميقة للسياسة الأميركية التي كانت عليها الإدارة السابقة، لكن دون تراجعٍ عن مضامينها، فصُنّاع القرار الأميركي يأملون الآن كثيراً في تحقيق أهداف السياسة الأميركية في "الشرق الأوسط"، من خلال تفاعلات الصراعات المحلية والإقليمية الدائرة في المنطقة، ودون حاجةٍ لتورّطٍ عسكريٍّ أميركي مباشر في أيٍّ من بلدانها!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات