الداخل الإسرائيلي وعملية التسوية

ت + ت - الحجم الطبيعي

استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في واشنطن، بعد إعلان وزير الخارجية الأميركي جون كيري في ختام جولته السادسة للمنطقة عن إقلاع قاطرة التسوية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، لا يعني أن الحالة الإسرائيلية أصبحت في موقع أفضل بالنسبة لتقبل مطالب الفلسطينيين المحقة والمشروعة.

فقد بات الانقسام العام بين الجمهور اليهودي في إسرائيل بشأن عملية التسوية مع الفلسطينيين، انقساماً مُستَحكِماً بين أكثرية واضحة تُمثّل وتتبنى الخطاب الصهيوني التقليدي المعروف بالنسبة لعملية التسوية مع الفلسطينيين وعموم العرب المعنيين، وأقلية موجودة في المجتمع الإسرائيلي لكنها ذات حضور وتأثير محدود لا يتعدى نطاق مجموعات أو فئات من المثقفين والسياسيين، ومعهم مجموعات صغيرة من تيارات فكرية جديدة كانت قد أطلقت تقديراتها وتصوراتها منذ سنوات خلت، وعلى رأسها تيار مجموعة "ما بعد الصهيونية" ومجموعة "المؤرخون الجدد"، الذين يعتقدون بانحسار الأيديولوجية الصهيونية، ودخول التجمع الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية عصر ما بعد الأيديولوجيات، وهم في حقيقتهم مجموعة من المؤرخين الإسرائيليين الذين بدأ نبتهم منذ ثمانينات القرن الماضي، وهم يدعون لمراجعة الرواية "الصهيونية الإسرائيلية" للصراع ولنكبة فلسطين.

فالمشهد الداخلي الإسرائيلي منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين على يد المتطرف اليهودي يمني الأصل "إيغال عامير"، بات يموج بالتباينات السياسية إزاء عملية التسوية وشروطها ومستوجباتها ومحدداتها، ويغرق في تناقضاته الإضافية الداخلية والتحولات الإقليمية والدولية، حتى أصبح كالمرجل يغلي بشتى الانقسامات، ومنها حتى الانقسامات الدينية والإثنية والأيديولوجية، بينما تتصدر قضايا التسوية مع الفلسطينيين ومع العرب موقعاً مركزياً تماماً في هذا المعمعان الداخلي من الخلاف والتباين في إسرائيل.

فدخول إسرائيل عملية التسوية، بصرف النظر عن الرؤى المختلفة، ترافق معه عدم استقرار سياسي واضح في الدولة العبرية.

وبالطبع، فإن الانسداد الواضح في أفق العملية السياسية، رغم الجهود الأميركية (وهي جهود ناقصة مع غياب الضغط الأميركي العملي والجدي على إسرائيل) والزيارات المتتالية لوزير الخارجية جون كيري للمنطقة، ووصول تلك العملية إلى الجدار المسدود على الأغلب، يُشكّل التجلي الواضح لسيطرة قوى اليمين على مصادر القرار في إسرائيل، وسطوتها في إدارة دفة السياسة المعلنة للدولة العبرية، بشأن العملية السياسية مع الفلسطينيين وشروط التسوية من الوجهة الإسرائيلية، فيما تعيش قوى ما يسمى "اليسار العمالي الصهيوني" (الوسط العلماني اليساري الذى يُمثله حزب العمل والأحزاب المحسوبة على اليسار الصهيوني كحزب ميريتس)، حالة واضحة من فقدان الوزن وتراجع الدور، وتماهي غالبيتها مع قوى اليمين والخطاب الصهيوني التقليدي المتعلق بمسار الحلول السياسية، ليس مع الفلسطينيين فقط، بل مع جميع الأطراف العربية المعنية.

في هذا المجال، ولتزكية ما ذهبنا إليه، نقرأ نتائج استطلاع أخير للرأي، أجرته مطبوعة "إسرائيل اليوم" و"هجال هحداش" حول توجهات الناس في إسرائيل بشأن عملية التسوية، وقد نشرت تلك النتائج يوم 9/7/2013.

وقد أعطت مؤشرات واضحة كان من أهمها أن الإسرائيليين يريدون استئناف عملية المفاوضات مع الطرف الفلسطيني بنسبة بلغت 56,9%، لكنهم لا يؤمنون بإمكانية الوصول إلى السلام بذات النسبة تقريباً (55,4%)، وأن 69,3% منهم يعارضون القيام بمبادرات طيبة تجاه الفلسطينيين كتحرير سجناء وأسرى فلسطينيين معتقلين أو تسهيلات حركة أو ما شابه ذلك، وهي نسبة عالية كما هو ملاحظ.

كما أن ما مجموعه 90,5% يعارضون ما أسموه "التنازل" عن أي جزء من القدس، أو القبول بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، أو العودة عن أية منطقة، أو تفكيك المستعمرات المقامة فوق مناطق القدس الشرقية وعلى محيطها وفي عموم الضفة الغربية والمناطق المحتلة عام 1967.

وبتحليل تلك المعطيات الواردة أعلاه، نجد أن الإسرائيليين يريدون إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين، ولكنهم بنسبة أكبر لن يسعوا إليها (أي لعملية المفاوضات) بجدية ولن يلتزموا باستحقاقاتها، وهنا الطامة الكبرى حين تستجيب حكومة نتنياهو للمناخ العام الذي كرسته وصنعته قوى اليمين في إسرائيل ومعها بعض تلاوين اليسار الصهيوني، لنجد أنفسنا أمام مجتمع يهودي يتمسك بخطاب صهيوني بامتياز، ويعتبر أن دخول إسرائيل عملية التسوية لا يعني خروجاً على الثوابت (اللاءات) الإسرائيلية المعروفة، وهي: لا للعودة إلى حدود 1967، لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، لا للانسحاب من القدس العربية المحتلة "التي ستبقى العاصمة الموحدة لإسرائيل"!

طباعة Email