لماذا هذه «الاستماتة» من جانب الولايات المتحدة وأوروبا وأتباعهما في المنطقة في مقاومة النظام الجديد في مصر، وفي الدفاع عن الرئيس المخلوع مرسي والإخوان، وفي محاولة الوقوف أمام ثورة شعب مصر التي أسقطت حكم الإخوان وإدخالنا والعالم معنا في جدلية "ثورة أم انقلاب"، ثم الانتقال بعد ذلك إلى محاولة تأمين "الخروج الآمن" لمرسي وقيادات الجماعة؟

بالطبع ليس هناك مجال للحديث هنا عن "الضمير الديمقراطي" الذي يوجع أميركا وأوروبا، فهم يعرفون جيداً أن ما حدث في 30 يونيو كان حدثاً غير مسبوق في التاريخ، وأن خروج عشرات الملايين لإسقاط الاخوان كان ثورة حقيقية.

وهم اعترفوا- بعد ان أدركوا استحالة العودة للوراء - أن مرسي هو الذي أساء للتجربة الديمقراطية، وأقروا بأن "خريطة الطريق" الموضوعة تكفل لو نفذت بدقة - انتقالاً صحيحاً وسريعاً إلى حكم ديمقراطي ودولة مدنية.

ليست الديمقراطية، ولكنه الإدراك بأن سقوط الإخوان في مصر سوف تمتد آثاره لكل المنطقة، وسوف يتبعه سقوطهم في دول أخرى قد تكون تونس وليبيا أولها، ولكنها لن تكون نهاية السقوط الكبير الذي لن يقتصر على "الإخوان" فقط، بل سيمتد إلى جماعات أخرى سارت في نفس الطريق وإن اختلفت التفاصيل.

ولا تهتم أميركا وأوروبا بسقوط الإخوان من باب المحبة، ولكن لأنه يعني سقوط المشروع الذي كانوا جزءاً منه، والذي استهدف إعادة رسم خريطة المنطقة على أساس تقسيم الدول العربية، وتصفية القضية الفلسطينية، وتوزيع النفوذ في المنطقة بين القوى الإقليمية غير العربية وفي مقدمتها إسرائيل وتركيا، وإيران بعد تغيير النظام أو التفاهم معه.

سقوط الإخوان في مصر يعني بالنسبة لأميركا- سقوط هذه الإستراتيجية والحاجة لإستراتيجية جديدة تحتاج لوقت وتحتاج لجهد في ضبط الأوضاع الجديدة لضمان المصالح الأميركية في المنطقة.

وتستلزم من الإدارة الأميركية مواجهة صعبة مع الكونغرس ومراكز القوى في أميركا لشرح أسباب الفشل، ومصير الأموال الطائلة التي انفقت لدعم الإخوان وكيفية مواجهة مشاعر الغضب لدى الجماهير من استمرار هذا الدعم للإخوان حتى بعد سقوطهم وتشجيعهم على مقاومة النظام الجديد واستدعاء التدخل الأجنبي.

الموقف الأوروبي يبدو أكثر إثارة للدهشة، فأوروبا أكثر اقتراباً بحكم الموقع - من مشاكل المنطقة، وتعرف مدى تأثيرها عليها، وهي أيضاً أكثر فهماً لعقلية شعوب المنطقة، وأكثر إدراكاً للمشاكل التي تعاني منها الدول العربية والتي كان احتلال دول أوروبا لها أحد أسباب هذه المشاكل.

تصرفات أوروبا في الاعتماد على "الإخوان" في تنفيذ سياساتهم كانت تصدر عن رؤية تتصور أن ذلك سيؤدي إلى انصراف الجماعات الجهادية الإسلامية عن تهديد أوروبا، وانشغالها بتثبيت سيطرتها في الدول التي تصل للحكم فيها أو تسعى لذلك، ثم انخراطها في الصراعات المحلية والحروب الأهلية التي يمكن أن تندلع في هذه الدول، أو في الصراع السني- الشيعي الذي يمكن ان يستنزف العرب والمسلمين لعقود طويلة.

ما حدث في الواقع كان فشلاً كبيراً لهذا التصور. صحيح أنهم وجهوا المتطرفين الإسلاميين إلى دول الشمال الإفريقي. وإلى سوريا ثم شبه جزيرة سيناء. ولكن ذلك أنتج أوضاعاً خطيرة في هذه الدول، وأوضح أن الخطر سيكون هائلاً علي الجميع.

ومع سقوط حكم الإخوان في مصر، وبدلاً من أن تتصرف أوروبا على أن ما حدث كان انقاذاً لمصر من كارثة محققة، وبداية لإنقاذ المنطقة كلها من الخطر، وجدنا أوروبا تتحدث عن "انقلاب" ولا تقول ما هو الفرق بين ما حدث في 30 يونيو، وما حدث قبل ذلك في ثورة يناير، ولا مجال بالطبع لكي نقارن بين خروج 30 مليوناً لإسقاط مرسى وبين ما حدث في ليبيا التي قاتلت أوروبا مع أميركا فيها دعماً لـ"الثورة".

الأغرب من ذلك كله أن "آشتون" مفوض الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي "رايحة جاية" على مصر، في محاولة للضغط من أجل الإفراج عن مرسي والقيادات الإخوانية، بينما لا تقول كلمة واحدة عن الحرب الحقيقية التي تخوضها مصر ضد الإرهاب الذي استوطن شبة جزيرة سيناء، والذي تعرف جيداً أن الكثيرين من عناصره جاءت من أوروبا التي يحملون جنسية دولها.

كما تعرف أيضاً كيف كان حكم مرسي غطاءً وستراً لهذا الوجود الإرهابي وكيف أعلنت قيادات الإخوان أن ما يجري في سيناء على يد الإرهابيين سيتوقف في نفس الثانية التي ــ لا سمح الله ولا الشعب ــ يعود فيها مرسي إلى الحكم.

ما جرى من محاولة إنكار الإرادة الكاسحة لشعب مصر ومحاولة تصوير الأمر على أنه "انقلاب" وممارسة الضغوط على النظام الجديد في لحظات صعبة يخوض فيها حرباً حقيقية ضد الإرهاب كل ذلك يضع الجانب الأهم من المسؤولية عما يجري في مصر على الموقف الأميركي ــ الأوروبي (مع صرف النظر عن الذيول الصغيرة).

قبل أيام كان هناك تصريح ينبغي أن نتوقف عنده. التصريح من القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أوروبا فيليب بريدلاف، ويقول فيه: إن حلف الأطلسي لا يخطط الآن (لاحظ الآن) لأي عمل في مصر، ويضيف: كما نفعل في سوريا، نحن نتابع الوضع عن كثب ونبحث عن تأثيره على شركائنا في الحلف. وإذا احتجنا سنقوم بما يتعين القيام به لحماية مصلحة شركائنا في الحلف".

حين نقرأ مثل هذه التصريحات، نفهم لماذا يصاب بعض قادة الإخوان بالهوس فيحاولون استدعاء التدخل الأجنبي ولو بدماء الأبرياء من المصريين. نفهم ولا نعذر، فالخيانة هي الخيانة، وكل المحاولات لخلق سوريا جديدة في مصر ستفشل حتماً. حكم الإخوان الفاشي لن يعود، والإرهاب سيتم استئصاله. ستقدم مصر التضحيات المطلوبة، ولكنها لن تغفر لمن خان أو تآمر، ولن تضيع وقتها معه إذا عاد مرة أخرى يسأل: لماذا تكرهوننا؟!