حين خرج قائد جيش مصر الفريق السيسي يوم الأربعاء الماضي يدعو الشعب للتظاهر كما فعل في 30يونيو ليكون ذلك تفويضاً للجيش والشرطة بالتصدي للإرهاب، كان السؤال هو: لماذا هذا التفويض والجيش والشرطة مفوضان أصلاً لهذه المهمة؟، ولماذا تجيء هذه الخطوة في هذا التوقيت بالذات؟ وماذا تعني وسط الموقف المعقد الذي تجتازه مصر؟

دعوة السيسي كانت قد سبقتها دعوة مماثلة من حركة "تمرد" وبعض القوى الوطنية للتظاهر يوم الجمعة الماضية ضد الإرهاب، كما كانت هناك على الجانب الآخر- دعوة من "الإخوان" للتظاهر في نفس اليوم وتهديد بشل الحياة في القاهرة ومحاصرة العديد من مؤسسات الدولة.

في سيناء كانت تدور معركة ضارية بين قوات الجيش والشرطة وبين جماعات الإرهاب. وكان يبدو أننا أمام حرب حقيقية لن تنتهي بسرعة ولن تكون تكلفتها بسيطة، فالإرهاب توطن في شبه جزيرة سيناء، والسلاح تدفق بكل أنواعه وبكميات هائلة، ومع ذلك كله فإن هناك أيضاً تضاريس المنطقة الصعبة وظروف المواجهة بين جيوش نظامية وعصابات تضرب وتختفي أصبحت تمتلك أحدث الصواريخ والمدافع المضادة للطائرات.

وفي قلب مصر كان "الإخوان" يخوضون معركتهم اليائسة لنشر الفوضي وشل الحياة. ثم ازداد اشتعال الموقف بعد محاولة الإخوان اقتحام ميدان التحرير، ثم بعد اللجوء لزرع القنابل التي فشلت في مدينة الاسماعيلية قرب مجرى قناة السويس، ولكنها نجحت في مدينة المنصورة حيث قتل واصيب عدد من جنود الشرطة، وحيث كانت الإشارة واضحة إلى محاولة نقل ما يجري في سيناء إلى قلب الوادي.

قبل أيام قليلة من تصريحات السيسي الأخيرة كان هو نفسه يطالب المواطنين بالصبر على المعتصمين من "الإخوان" في منطقة رابعة وقرب جامعة القاهرة ويقول إنهم إخوة لنا، وإننا في النهاية سنستكمل المسيرة معاً. من هنا كان التصعيد في خطاب السيسي الأخير مفاجئاً. وكان لافتاً أنه لا يلجأ للمناورة ليترك لأي جهة أخرى مهمة الدعوة لتظاهرات الجمعة، بل تعمد أن تجيء الدعوة منه للتأكيد علي رؤيته لخطورة الموقف. ولإعطاء رسائل هامة لأطراف في الداخل والخارج تقول إن القيادة في مصر تعرف ما يدبر من مؤامرات، وأنها مستعدة لمواجهتها.

كان واضحاً من كلام السيسي أن المخطط ليوم الجمعة الماضي يستهدف اشعال الموقف بصورة غير مسبوقة في سيناء وفي القاهرة في وقت واحد. وكان كم الأسلحة المضبوطة ونوعيتها يشير إلى حجم ما يدبر. واذا كان زرع القنابل في مدينة المنصورة قد مثل تطوراً هاماً، فإن الأخطر كان ضبط شحنة صواريخ كانت في طريقها إلى القاهرة قال قائد الجيش الميداني الثالث إنها تكفي لتدمير مدينة.

قيمة المساعدة العسكرية ليست كبيرة (1.3مليار دولار) لكن القضية هي ارتباط الجيش المصري بالتسليح الأميركي على مدى أكثر من ثلاثين عاماً. وقد سبق أن لجأت أميركا لتعطيل توريد قطع الغيار المطلوبة لمصر للضغط على المشير طنطاوي ولدعم وصول "الإخوان" للحكم. لكن على الجانب الآخر تعرف أميركا أنها هي المستفيد الأكبر من المعونة العسكرية، وتدرك انها فشلت في استخدام هذه الورقة في الضغط على السيسي قبل 30 يونيو، وأظن ان عليها ان تدرك انها ستخسر كثيراً إذا استمرت في هذه المحاولة.

أكتب ظهر الخميس، ومصر تستعد ليوم حاسم في تاريخها. سيخرج الملايين ليعلنوا رفض الإرهاب وإدانة العنف، ولكي يؤكدوا تأييدهم للجيش وأجهزة الأمن والشرطة وهو تقوم بواجبها في استعادة سيناء وتأمين الوطن من الوقوع في مستنقع العنف والفوضي الذي يتصور البعض انه طريقهم للحكم مرة أخرى، بينما هو طريق الانتحار كما يراه حتى عدد من أبرز رموز الحركة الإسلامية في مصر.

قبل 30 يونيو كان الرئيس السابق مرسي وجماعته يتصورون أن التهديد بالعنف سوف يمنع المصريين من نزول الميادين، وكانت الصدمة حين واجهوا أكثر حشد جماهيري شهدته البشرية. بعد السقوط يتصورون ان ممارسة العنف وأعمال القتل والإرهاب سوف تخيف شعباً نزع الخوف من قاموس حياته.

تعرف جماهير الإخوان خاصة من الشباب أن قيادتهم قد أوصلتهم إلى هذه الأزمة الطاحنة، وأنها بدلاً من أن تصحح أخطاءها وتحاسب نفسها، تصر على قيادة الجماعة للانتحار. حتى الساعات الأخيرة كانت هناك جهود تبذل داخل الجماعة لكي تتنحى القيادة ولكنها مازالت تصر علي مواصلة الانتحار. يعرف العقلاء أن القصة انتهت، لكن العقل والإرهاب لا يلتقيان !!

الملايين التي تخرج لميادين التحرير في مصر تعرف طريقها جيداً، ترفض الإرهاب وتنبذ العنف ولا تسمح بالتدخل الأجنبي، ترفع راية الاستقلال الوطني وتعي جيداً أبعاد المؤامرة على شعب مصر وجيشها، تتمسك بالدولة المدنية وتحمي ثورتها التي ضحت من أجلها وعانت لاستردادها تدعو الله أن يعود العقل لمن سيطر عليهم جنون الانتحار.