بعض المقولات السائدة في الثقافة العربية بحاجة إلى مراجعة نقدية، حيث لا يمكن أن يتعامل الإنسان معها ويحاول التوفيق بين المتناقضات منها، والسبب في ذلك أن المنطق السليم يرفض ذلك قطعياً، فهي ليست من المنطق ولا حتى من الفلسفة، بل قد تكون من السفسطائية.

إن مقولة "الأصدقاء الدائمون" ليست ثابتة وكذلك "الأعداء الدائمون"، فالإنسان كائن حي متغير بين يوم وآخر، ولا يمكن أن يظل كما هو وكأنه جماد. إن العديد من المتغيرات في جسم الإنسان تحدث في ثوانٍ معدودة.

من المعلوم أن أصدقاء الطفولة تجمعهم أغراض وأهداف مشتركة، وهي متطلبات المرحلة العمرية فهم يحبون اللعب والتسلية معاً، ولعل بعضهم يكره المدرسة والكتب في ذات الوقت لأسباب مختلفة قد تكون بسبب المدرس القاسي، أو أجواء المدرسة الطاردة لكل من يحاول الأندماج بها، أو هي أهواء بعض المدرسين، فلم يعد المدرس مجازاً رسولاً، كما هو في الثقافة العربية السائدة.

ولعل هذه الحالة تنطبق أيضاً على الدول، فالذي يتحكم في توثيق العلاقات الدولية هو في الأساس المصالح، وكم من دولة فقدت مكانتها وهيمنتها نتيجة لتضارب مصالحها وتوجهاتها مع الآخرين من الدول، وبدلاً من أن تكون المركز تصبح فيما بعد الهامش المتجاهل من قبل الجميع.

وكم من دول دخلت في حروب ضارية لسنوات طويلة أتت فيها الحروب على الأخضر واليابس ثم انتهت الحروب وذهبت الدول المتحاربة تؤسس فيما بينها علاقات صداقة وتعاون وحتى تحالفات استراتيجية ضد أعداء جدد ربما يصبحون هم أيضاً أصدقاء في المستقبل.

هذه هي سنة الحياة والتطور البشري، وهذه هي حالة الحضارات المختلفة، ولعل التقدم العلمي هو الذي يعطي القوة والنفوذ لمن لم يكن يمتكلها سابقاً ومن هنا كان التسابق بين الدول لاستقطاب العلماء المتميزين في العديد من المجالات وكم من عالم دفع حياته ثمناً لرفضه الهجرة إلى بعض الدول، وتمسكه بوطنه الأم.

وتلك العدائية من قبل بعض الدول لذلك الإنسان تبين الأنانية وحب التملك حتى للإنسان المبدع والعالم.

ومن العجب العجاب أن معظم المبدعين والعلماء العرب، وربما المسلمين، يبرز نجمهم في الخارج وتحديداً في الدول الغربية، في حين أنهم يعانون من التجاهل والإحباط في بلدانهم الأصلية، وذلك وفق مقولة "لا كرامة لنبي في قومه"، والأدهى من ذلك أنهم يحاربون من قبل بعض القوى في السلطة السياسية، حيث إن ذلك التألق للعالم المبدع من الخارج يكشف إهمالهم لأهم عنصر في التنمية الشاملة وهو العنصر البشري والإنسان المبدع، وتؤكد على عدم أهليتهم للمناصب التي يحتلونها.

 إن بعض الأنظمة السياسية تبرز كل من يحاول أن يلهي العامة من الناس عن همومهم ومشاكلهم اليومية بدءاً من رغيف الخبز إلى كوب الماء، ولعل البرامج الترفيهية الهابطة تلعب دوراً مؤثراً في هذا المجال.

الكثير من الدول ذات الكثافة السكانية العالية هي التي تعاني من العديد من المشكلات بالرغم من توفر كل الإمكانات المادية لرفع مستوى الدخل حتى لا يشعر الإنسان بأنه يعيش في حالة دون مستوى الفقر والحاجة، إلا أن التلوث الأخلاقي والسياسي يحولان دون ذلك الحلم، وطموحات القلة من النخبة إلى الثراء واستمرار البقاء في السلطة مدى الحياة يدفعهم إلى ارتكاب أبشع الجرائم واتباع أشد الأساليب فاشية وفساداً وقمعية، وكأن المطلوب إركاع الإنسان وإذلاله حتى تموت فيه صفتا الكبرياء والكرامة فلا يطالب بحقوقه ولا يفكر حتى في كينونته كإنسان.

ومن الملاحظات البارزة والتي لا تحتاج إلى مكبر أو غيره أن الجامعات الأجنبية تقوم على مجهودات وأفكار كثيرين من أولئك العلماء العرب، وهذا واضح تماماً في الولايات المتحدة الأميركية ومعظم الجامعات الغربية وحتى في استراليا ونيوزلاندا وغيرها من البلدان. وما ذلك إلا دليل على العقلية العلمية ذات البعد المستقبلي.

آلم تدخل تلك الدول في حرب غير معلنة حول استقطاب العلماء والمفكرين، أليست اسرائيل واحدة من تلك الدول؟.

والجانب الآخر من المعادلة هو ميزانيات البحث العلمي والتعليم، ما هي نسبة ما تصرفه الدول العربية في هذا المجال؟ إنه وبدون تردد رقم أخجل من ذكره في هذه المقالة، فهل المطلوب شعوب أمية وجاهلة، ولكن إلى متى؟ لست أدري وربما لا أريد الخوض في هذا الموضوع. حيث إن ما كتب يعد بمئات المقالات والعديد من المؤتمرات، إلا أن القرارات والتوصيات حفظت في الأدراج.