تواصل الأزمة المالية العالمية تأثيرها المؤلم على المستثمرين في جميع أنحاء العالم. إن نظرة خاطفة على أي صحيفة يومية، أو نشرة أخبار مسائية، أو مدونة شهيرة، ستخرج بتصور عام مفاده أن اللوم في ذلك يقع على عاتق المجتمع المالي. والواقع، فإن تحقيق أي عودة سليمة للنمو هو أمر مرهون إلى حد كبير باستعادة ثقة المستثمرين بمصداقية النظم المالية العالمية.

كان الأثر المالي للأزمة على الأسواق الناشئة كالشرق الأوسط أكثر سكوناً من غيرها من الأسواق. لكن التنمية الاقتصادية السريعة وتأثير الربيع العربي ضاعفا الدعوات إلى اعتماد نُظم وآليات مالية أقوى، بغية تعزيز الشفافية والحوكمة الجيدة للشركات، والتصدي للفساد، وتشجيع أفضل الممارسات العالمية.

وفي كلتا الحالتين تعد الثقة هي القاعدة الأساسية في المسير قدماً. ويتمثل التحدي في معرفة سبل تحقيق هذه الثقة.إننا في معهد CFA، وعن طريق جمعياتنا المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة والعالم، نعتقد اعتقاداً راسخاً بأن التثقيف هو قوام الحل، وأن رفع معايير جميع وظائف قطاع الخدمات المالية هو السبيل إلى المستقبل. تشير الاستطلاعات بوضوح إلى أن زيادة وتوسيع التركيز على تعليم الموظفين، وبخاصة في ميدان السلوك الأخلاقي، أمر بالغ الأهمية لحل المشكلات التي تحتاج إلى معالجة.

وبما أن مهمتنا تتمثل في قيادة قطاع الاستثمار نحو مستويات أخلاقية ومهنية أعلى لخير المجتمع بأكمله، فإننا نعتقد أن معهد CFA ملزم بأن يكون صوتاً مبادراً في مسيرة استعادة الثقة وتعزيز بصيرة الاستثمار في جميع مجالات هذا القطاع. وكجزء من هذا الجهد، نحن بصدد إطلاق مبادرة جديدة تشمل مجتمع الخدمات المالية الأوسع، وترفع مستويات التعليم والأخلاق داخله، وهي شهادة كلاريتاس للاستثمار.

تعد شهادة كلاريتاس في الاستثمار دورة دراسة ذاتية موجهة إلى من يعملون بمحاذاة صناع القرار الاستثماري، كمحللي تكنولوجيا المعلومات ومهنيي الموارد البشرية والعمليات والمستشارين، بهدف تحسين معايير المعرفة والوضوح في جميع مجالات قطاع الخدمات المالية.

ولهذه الغاية، تعاون معهد CFA في إنشاء برنامج كلاريتاس مع قادة القطاع والجهات التنظيمية والصحفيين والأكاديميين ومع أعضائنا من جميع أنحاء العالم. واستمعنا إلى آراء أبرز المتخصصين في مجال تنمية المواهب، بشأن التحديات التي يواجهونها لكي يتمكّن موظفو شركاتهم من التحدث بلغة مالية مشتركة. كما استمعنا إلى آراء واضعي السياسات بشأن شعورهم بالإحباط من القطّاع، لفشله في اتخاذ الخطوات الحاسمة اللازمة لترميم سمعته. وسمعنا آراء قادة القطّاع حول إحباطهم من بناء ثقافة أخلاقية موحدة عابرة للأقسام والحدود الجغرافية.

والأهم من ذلك، أننا سمعنا مراراً وتكراراً عن حاجة هذه القطاع إلى معيار عالمي للمعرفة، يعتمده ما يقرب من تسعين بالمئة من مهنيي قطاع الخدمات المالية الذين لا يعدّون جزءاً من صناع القرار الاستثماري.

تهدف شهادة كلاريتاس في الاستثمار إلى تأسيس ذلك المعيار المعرفي. وهي تختلف عن جميع البرامج التنافسية الأخرى بأنها عالمية، وتشمل تدريباً أساسياً على أخلاقيات القطاع. تتطلب الدورة ما يقرب من مئة ساعة من الدراسة، وتتكون من سبع وحدات تغطي قطاع الخدمات المالية وأدواته وآلاته وبنيته وضوابطه وأساليب العملاء وأخلاقيات المهنة. يجري الامتحان عبر الإنترنت في الموعد الذي يحدده المرشح وقتما يشعر بأنه على أتم الاستعداد.

إن الحماسة التي قوبل بها برنامج كلاريتاس التجريبي، حين أطلقناه في يناير، يثبت أن قطاعنا كان بانتظار هذا النوع من العمل الملموس والمهم. يشارك في البرنامج التجريبي 68 منظمة وأكثر من 3 آلاف شخص. وتضمّ لائحة شركائنا في البرنامج التجريبي منظمات من جميع أنحاء العالم، من البنوك العالمية والمكاتب القانونية الشهيرة، فضلاً عن تكتل إعلامي دولي وإحدى جامعات الأوروغواي.

لا شك أنّ الشركات التي تستثمر في المعرفة وتعليم موظفيها والالتزام بالممارسات الأخلاقية تجني فوائد تتجاوز المصلحة المجتمعية الكلية، كالاحتفاظ بالموظفين وتحقيق نمو يبدأ من الداخل من خلال التشارك داخل الشركات وعبرها؛ بل إنها تساعد مثلاً على تطوير منتجات أكثر تطوراً، وجذب أفضل المواهب، وتوطيد العلاقات مع العملاء.

من الأهمية بمكان أن نقوم كقطاع بمعالجة هذه المسألة من جميع الزوايا. لقد شهدنا تركيزاً على صناع القرارات الاستثمارية أنفسهم، ولكن التركيز على القائمين على الاتصالات والإدارات المالية واستشاريي تكنولوجيا المعلومات والمستشارين القانونيين وكيفية عمل جميع هذه الاختصاصات في القطاع الواسع سيؤدي إلى تحسين الفهم والأداء والممارسة الأخلاقية.

ومن هنا، فإن الدعوة التي يوجهها معهد CFA إلى القطاع تقول "الحل يبدأ بك". وتركز هذه الدعوة على ضرورة قيام جميع العاملين في الخدمات المالية بدورهم في ضمان وجود سوق عالمية مستقرة وسليمة ومزدهرة. ويعد إنشاء برنامج كلاريتاس خطوة واحدة فقط يخطوها معهد CFA من أجل المساعدة في معالجة هذه المسألة، وقد أثبت شركاؤنا والمشاركون في البرنامج التجريبي التزامهم فعلاً بالتغيير.

سيستضيف معهد CFA خلال العام 2013 فعاليات في جميع أنحاء العالم لنشر هذه الرسالة، والتحدث مع المعنيين حول الدور الذي يتوجب علينا جميعاً أن نلعبه في الكفاح من أجل استعادة الثقة بقطاع الخدمات المالية.

إن استعادة ثقة المستثمرين بالقطاع تتطلب أكثر بكثير من دورة تدريبية واحدة. ولكن برنامج كلاريتاس يعدّ خطوة واضحة وملموسة لأي شركة تريد إثبات التزامها المؤسسي بالأخلاق، وإيمانها بالخير الذي يمكن للقطاع أن يحققه للمجتمع ككل.