يمكن للأفراد أن يجلسوا وقد أمسكوا قلماً ويكتبوا، أو بمقدورهم أن يجلسوا أمام جهاز كمبيوتر وأن يكتبوا مقالاتهم وقصصهم وقصائدهم على شاشته، ثم ما الذي يفعلون بها؟ إذا كانوا معروفين وإذا كان هناك أناس يشعرون بأِن ما كتبوا سوف تمس الحاجة إلى قراءته، فإنهم سيجدون في مكان ما مطبوعة ما يمكن لما كتبوه أن يظهر فيها لكي يقرأه الآخرون.
قبل 10 سنوات مضت كنت إذا ذكرت الأدب العربي، فإن رد الفعل الوحيد الذي ستحصل عليه من الناس هو نظرة ممزوجة بالحيرة، نظرة أقرب إلى علامة استفهام. ما الذي يتحدث عنه هذا الشخص، وإذا بادرت عندئذ إلى تكرار السؤال بلهجة تشير إلى أنك تعرف أن هناك إجابة عن هذا السؤال، وأن شخصاً جاهلاً هو وحده الذي ليس لديه رد عنه، عندئذ ربما تحصل على إجابة من نوعية: "القرآن الكريم، فهو نزل باللغة العربية أليس كذلك؟. إنني أعرف أن شخصاً ما قد أنجز ترجمة لمعانيه إلى اللغة الإنجليزية ولكنني نسيت اسم هذا الرجل".
تبادر من جديد إلى طرح السؤال: "ولكن من المؤكد أن العرب قد ألفوا شيئاً من إبداعهم؟" لا بد أن شعوراً يسود بالحيرة حول شعب يتألف أدبه من كتاب واحد، وإذا كان من يحادثه يعرف شيئاً عن الأدب فربما يقفز إلى الذهن عنوان "ألف ليلة وليلة".
وبعد ذكر القرآن الكريم وألف ليلة وليلة، فإن الشخص الذي قام بذلك يجد نفسه عاجزاً عن ذكر كتب أخرى بالعربية قدر لها أن تعم شهرتها الآفاق، سواء في العالم الناطق بالعربية أو في الأدب العالمي عامة. وربما يبادر من تتحدث إليه عندئذ إلى الإشارة إلى أنه ربما كانت هناك بعض الأعمال الحديثة باللغة العربية التي يجب أن تؤخذ في الحسبان، ولكن في معرض الرد فإن كل ما يحصل عليه المرء هو هزة رأس، حيث يبدو أن اللغة العربية تشبه على سبيل المثال اللاتينية أو الإغريقية وقد ماتت شأن هاتين اللغتين.
إذا مضى المرء بعدئذ إلى التساؤل عما إذا كان العرب يقرأون في الوقت الراهن، فإن المرء يقابل بنظرة حائرة، وقد طرحت هذا السؤال ذات مرة على رجل إنجليزي عاش سنوات طويلة في مصر وكان قادراً على القراءة بالعربية، حيث سألته: "ما هي الكتب التي يقرؤها العرب اليوم؟"، فقال لي إنه كان يقيم في ضاحية من ضواحي القاهرة، وكان يستقل القطار إلى قلب المدينة كل يوم لكي يصل إلى عمله، وإنه لم يقدر له قط أن يرى أحداً يقرأ أي شيء عدا صحيفة أو مصحفاً خلال الرحلة إلى وسط المدينة.
قلت مستفسراً: "ألا يكتب أحد في العالم العربي أشياء من قبيل القصص القصيرة والروايات؟".
قوبلت بنظرة لا تشير فقط إلى أن هذين الجنسين الأدبيين كانا مجهولين بشكل أو بآخر في العالم العربي، وإنما أنهما لم تجدا جمهوراً يقرأهما.
ولدى المزيد من الاستفسار الموجه هذه المرة إلى صديق مصري تصادف أنه ضليع في قراءة الأدب حول ما إذا كان هناك حقاً عربي أو اثنان على معرفة بالفرنسية على سبيل المثال، قدر لهما أن يقرآ أحد الأعمال المعروفة بالكلاسيكيات التي كتبت بتلك اللغة والمسماة بالروايات، وعندئذ ذكر لي ذلك الصديق أسماء ثلاثة أو أربعة من الكتـّاب المصريين الذي ألفوا أعمالاً باللغة العربية يمكن النظر إليها على أنها قصص قصيرة أو روايات.
سألته عندئذ عما إذا كان يستطيع أن يذكر أسماء هؤلاء الكتاب، فحدثني عن رجل مميز كان ضريراً ومع ذلك أكمل تعليمه في باريس وتزوج من سيدة فرنسية، وقال لي إن هذا الرجل يدعى طه حسين، وإنه قد ألف كتاباً قصيراً عن أيامه الأولى، وأن هذا الكتاب قد ترجم إلى الإنجليزية تحت عنوان "طفولة مصرية" وقد تصادف أنني أعرف مترجم هذا الكتاب، حيث كان رئيسي في العمل خلال سنوات الحرب العالمية الثانية عندما كنت أعمل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، وكان هذا الكتاب قصيراً للغاية ولكنه فيما يبدو استغرق من مترجمه ما لا يقل عن عام بالإضافة إلى مساعدة زملاء مصريين لكي ينجز ترجمته، غير أن هذه الترجمة لم تجتذب انتباهاً إلا بالكاد، وأعتقد أنه لم يبع منها ألا ما يزيد قليلاً على 200 نسخة.
غير أنه مع مرور الوقت برز مؤلفون آخرون في مصر لفت بعضهم انتباه المترجمين لكن هؤلاء المترجمين كانوا سلعة نادرة، حيث لم يكن هناك إلا عدد محدود من المصريين الذين يتقنون اللغة الإنجليزية، وعدد أقل من الإنجليز الذين يتقنون اللغة العربية.
وبالفعل اجتذب كاتب يدعى توفيق الحكيم بعض الانتباه وقام مترجم يهودي هو أبا إيبان بترجمة إحدى رواياته إلى الإنجليزية، والتي لم تلق حماساً يزيد على ذلك الذي قوبلت به سيرة حياة طه حسين.
ثم برز كاتب نشط يدعى نجيب محفوظ، وشرع يقدم بسرعة ملحوظة سلاسل من أعمال القصص وكانت هذه الأعمال روايات بصورة رئيسية ومن بينها رواية في أجزاء عدة سرعان ما ظهرت في ترجمات، واجتذب انتباه العديد من المترجمين الإنجليز والفرنسيين الذين يتمتعون بالكفاءة، ولكن الأمر الأكثر أهمية أن ناشرين في كل من إنجلترا وفرنسا أبدوا اهتماماً كبيراً به.
ثم أطل يوم أقرب إلى المعجزة ونال محفوظ فيه جائزة نوبل للأدب، ويرجع هذا بصفة أساسية إلى الروايات التي كتبها وقدر لها الصدور في مجلات عدة، كما كتب العديد من مجلدات القصة القصيرة، واجتذبت قصة من هذه القصص الاهتمام بصفة خاصة وترجمت إلى عدد كبير من اللغات الأجنبية.
أدت ترجمة أحد مجلدات القصص القصيرة التي كتبها محفوظ على يد مترجم بارز في ذلك الوقت وإحدى قصصه التي تحمل عنوان "زعبلاوي" قدر لها أن تشق طريقها إلى سلسلة نورتون لمختارات الأدب العالمي باعتبارها النموذج الوحيد من الأدب العربي الذي يلقى تقديراً عالمياً.
اليوم قدم العالم العربي جيلاً جديداً شاباً من الكتاب الموهوبين وقلة محدودة للغاية بعدما يسمى بالربيع العربي.