شهدت الأيام الماضية بالنسبة إلينا، نحن أبناء الإمارات، وأحسبها عند معظم العرب، حالة من الترقب والقلق البالغ على حال مصر، والخطوة الجبارة التي قادها الشعب لتصحيح مسار ثورته، والعودة بالبلاد إلى الوضع الصحيح المأمول.. ولا يترجم قلقنا إلا أواصر الأخوة القائمة بين الشعبين والدولتين، والتاريخ المجيد من العلاقات المبنية على الاحترام والتعاضد، وتشابك المصير، وصناعة المستقبل.
خطت مصر خطوتها الكبيرة.. وعمّ الارتياح أجواء الشعوب العربية الغيورة على مكانة مصر، وجاءت برقية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، إلى المستشار عدلي منصور بعد أدائه اليمين رئيساً لجمهورية مصر العربية خلال الفترة الانتقالية، مهنئة واضحة ناصعة، تختصر رؤية عميقة واستراتيجية ثابتة تبنتها الإمارات على الدوام مع جميع القضايا العربية، وهي أنها تنحاز بثبات ووضوح إلى إرادة الشعوب الشقيقة، وتقف إلى جانبها، ولا تؤثر فيها أي أغبرة قد تتصاعد بين الحين والآخر من أيادٍ لا تدرك رسوخ العلاقة بين الدول والشعوب الشقيقة، ولا تنظر إلى المستقبل بعيون الثقة بالآخرين، بل تضع الريبة والشك الذي تربّت عليه، مناطاً لأي تعامل أو تقارب أو ترتيب للبيت الداخلي أو الوضع الخارجي.
ألمح سموه في برقيته إلى هذه الحقائق حين قال: "إن دولة الإمارات التي تربطها بمصر علاقات أخوية وتاريخية، تتطلع دائماً إلى تطوير هذه العلاقات وترسيخها في جميع المجالات لما فيه مصلحة البلدين وخير شعبيهما"... وأظهرت النظرة الأخوية العميقة لسموه وسعة الرؤية والصدر الكبير لقلوب لا تعرف إلا الحب للإخوة الأشقاء، حين قال في برقيته: "إن دولة الإمارات تتطلع إلى أن يتحقق للشعب المصري الشقيق كل ما يصبو إليه من استقرار وازدهار".
سياسة واضحة ومنهج ثابت أصيل لا يعرف التلون، ولا تهزه تقلبات الأوضاع الطارئة، لأنه يعلم أن مراهنته الراسخة هي على المد الشعبي العظيم الذي لا تخدعه الشعارات ولا تنال من أصالته الأكاذيب والتخرصات، لأنه يعرف تمام المعرفة من يريد مصلحته وينظر إلى مستقبله بعيون الأخ الحريص الأمين، المجتهد في صناعة حاضره والراغب في ترسيخ حضوره.
كلنا نتمنى كعرب عموماً وإماراتيين خصوصاً - لمصر ولشعبها الأصيل، العودة إلى الجادة الراسخة التي عرفها من خلالها العالم العربي، بل والعالم أجمع، ريادة في المواقف وسبقاً إلى التضامن واحتراماً لإخلاص المخلصين من الإخوة والأشقاء، وأن تعبر عنق الزجاجة بأسرع وقت ممكن وبأقل الخسائر التي لا نتمناها، لتخرج إلى نور العمل العربي المتوقع منها، لا أن تكون غائبة محبوسة في الرهانات الخاصة الخاطئة، المنسلة من نسيجها العربي، المسلوبة من محيطها لأجندات الطامعين، قصيري النظر.
ونرى أنها بإذن الله تسير في طريق تصحيح المسار، وبدأت تباشير ذلك تظهر بما يثلج الصدور، وستجد أن إخوتها العرب المخلصين واقفون معها يقدمون أعلى درجات العون لتكتمل الصورة التي نعرفها عن مصر وأهلها، تلك الدولة ذات التاريخ الحافل والمساهمة البارزة في النهضة الإنسانية والحضور الكبير عربياً وإسلامياً وإقليمياً، ما يشكل حاضنة طبيعية كبيرة يلجأ إليها المصريون ليعيدوا تشكيل مستقبلهم، انطلاقاً من حاضر مشرق يصنعونه الآن بأيدهم.
إننا حريصون على مصر وشعبها، لأننا نؤمن تمام الإيمان أن الشعوب الكبيرة لا تبني علاقاتها واستراتيجياتها على هفوات الصغار، ونعلم علم اليقين مدى الاحترام الذي يكنه أهل مصر لأشقائهم من أبناء الإمارات، وكما صنعنا الماضي سنصنع بعون الله المستقبل الذي يحقق أحلامنا.
وهذا ما أكده سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، في تعليقه على تصحيح مسار الثورة الأخير في مصر، حين قال: "إن دولة الإمارات تتطلع على الدوام لتعزيز علاقاتها مع مصر الشقيقة حكومة وشعباً، والمضي بها قدماً إلى المزيد من التعاون الوثيق في مختلف الميادين، وبما يحقق المصلحة المشتركة للشعبين الشقيقين". وهو موقف أكد عليه السفير المصري لدى الدولة بقوله: "إن دولة الإمارات كانت على عهدها دائماً في الوقوف إلى جانب الشعب المصري في ما يمر به من مراحل تاريخية وتحديات فارقة وصعبة".
مرحباً بعودة مصر إلى حاضنتها العربية، ونتمنى لها الخير في قابل الأيام، بما يحقق آمال شعبها ويعيد لها دورها الحقيقي.