"ستحسم مصر المعركة وتستعيد ثورتها، وتستعيد وجهها المنحاز للعروبة وصحيح الإسلام. فلنأمل جميعاً أن يتم ذلك في سلام وأن يتم وأد كل دعوات العنف والاقتتال بين أبناء الوطن".

كان هذا ما اختتمت به مقال الأسبوع الماضي، كنت أثق أن شعب مصر قد اتخذ قراره بإسقاط حكم الإخوان وأنه لم يعد أمام مرسي وجماعته إلا الرحيل. لكن ما حدث في نفس اليوم الذي نشر فيه المقال (30 يونيو) فاق كل التصورات. مصر كلها خرجت لتكتب تاريخاً جديداً. لم يسبق لمصر أو للعالم كله أن شهد مثل هذا الحشد على طول تاريخ البشرية. كل وسائل الترويع التي لجأ لها الإخوان وحلفاؤهم لم تنجح إلا في زيادة الحشود التي تطالبهم بالرحيل.

 قبل أن تعلن قيادة الجيش بيانها الذي أعطى مهلة 48 ساعة للاستجابة لمطالب الشعب، كان قد تأكد للجميع أن حكم الإخوان قد سقط بإرادة الملايين التي خرجت وأعلنت أنها لن تعود إلا بعد رحيل النظام كان النظام قد سقط وكان الباقي فقط أن يتم استخراج شهادة الوفاة الرسمية.. وهو ما حدث بعد ثلاثة أيام من 30 يونيو العظيم، وفي مساء الأربعاء الماضي بعد أن تم التأمين الكامل للبلاد، والتوافق على خريطة العمل الوطني مع إزاحة كابوس حكم الإخوان بعد عام من حكم مرسي لن تنساه مصر لأزمان طويلة!

كان عاماً بائساً وطويلاً رأت فيه مصر كل أنواع الفشل من هذا الحكم الإخواني، ودفعت مصر ثمناً فادحاً من أمنها واقتصادها وسلامها الاجتماعي وأمنها القومي، ومع ذلك، فكل هذا يهون أمام النتيجة الحاسمة وهي كشف زيف هؤلاء المتاجرين بالدين وإنهاء أي فرصة لهم في الاستيلاء على حكم مصر من الآن.. وإلى الأبد!!

كان مذهلاً بالفعل أن يتصوروا أن مصر سوف تقبل حكماً يتهم الشعب كله بالكفر لأن "الجماعة" وحدها هي المسلمون!! أو أن يتصوروا أن شعب مصر سوف يقبل إهانة الأزهر الشريف ومحاولة القضاء على نهجه الوسطي لصالح المتطرفين. أو أن هذا الشعب الذي يعتبر وحدته الوطنية هي قدس الأقداس سوف يقبل العدوان على الكنيسة الوطنية أو يغفر لنظام يطلق الرصاص والقنابل على مقر الكاتدرائية التي بنيت في عهد عبد الناصر وتحت رعايته!!

وكان مذهلاً أن يجهل "الإخوان" قيمة الاستقلال الوطني لمصر، فإذا بهم يتسولون الدعم الأميركي وغير الأميركي، ويدفعون الثمن إغراقاً في التبعية وفي تقديم التنازلات على حساب الاستقلال والكرامة الوطنية!!

وكان مذهلاً أن يتصور "الإخوان" أن شعب مصر يمكن أن يقبل هذا الهوان الذي وصل إليه الحكم وهو يعجز عن معالجة أي من التحديات الداخلية والخارجية، وأن يصل الأمر في النهاية إلى هذا المشهد لرئيس مصر محاطاً برموز الإرهاب وهي تطلق التهديدات ضد شعب مصر "الكافر، الملحد!!" في مشهد كان يعلن بنفسه أن هذه العصابة الإرهابية لا يمكن أن تستمر في حكم مصر!!

وهذا ما حدث.. خرج شعب مصر عن بكرة أبيه يعلن سقوط حكم الإخوان وينزع الشرعية عن مرسي، وانحاز جيش مصر الوطني لإرادة الشعب. سقط النظام ولكن المعركة لم تنته. التحديات الاقتصادية والسياسية كثيرة ولكن مصر قادرة بإذن الله على تجاوزها. الخطر الحقيقي الآن هو في جماعات الإرهاب بقيادة الإخوان التي مازالت تطلق التهديدات بالتدمير والقتل، وفي نفس الوقت تتحدث عن "الشرعية"!!

لا أعرف عن أي "شرعية" يتحدثون بعد أن خرج شعب مصر في أكبر حشد عرفته البشرية كلها ليسقط النظم الإخواني، ولكن الجريمة الكبرى التي ارتكبها "الإخوان" وهم في الحكم كانت رعاية الجماعات الإرهابية وغل يد الجيش في مطاردتها. كان رهان "الإخوان" أنهم سيحتاجون لهذه الجماعات من أجل تنفيذ مخطط الهيمنة والتمكين، والآن يريدون ــ بعد السقوط ــ أن يحاولوا العودة عن طريق الإرهاب الذي يريدون أن يمتد من سيناء لقلب الوادي!!

وفي نفس الوقت يحاولون استغلال موقف الإدارة الأميركية التي سبق أن دعمت وصولهم للحكم في مصر وفي غيرها من الدول العربية، في تصوير ما حدث في مصر على أنه "انقلاب عسكري"!! وليس ثورة شعبية خرجت فيها الملايين بصورة لم يعرفها العالم من قبل لتسقط حكماً فاشياً. وأن كل ما فعله الجيش أنه حمى إرادة الشعب ومنع مصر من الانزلاق إلى جحيم الفوضى والاقتتال الأهلي!!

ليست مشكلة شعب مصر أن الإدارة الأميركية كان رهانها خاطئاً حين دعمت وصول جماعة فاشية لحكم مصر!! وليست مشكلة مصر أن إدارة أوباما تخاف من آثار اعترافها بفشل سياستها تجاه مصر في إطار الصراعات الداخلية في الولايات المتحدة. الوضع الآن أن على إدارة أوباما أن تصحح الخطأ وبأقصى سرعة، وإلا فسوف تدخل في مشكلة حقيقية مع شعب مصر، وأظن أنها جربت ذلك مرة بعد ثورة يوليو، عرفت مدى خسارتها حين تفعل ذلك!!

يعرف شعب مصر الآن أنه يواجه تحديات هائلة ولكنه يثق أنه قادر على التعامل معها بعد أن أسقط هذا الحكم الفاشي الذي كان يريد أن يقوده ــ ومعه الأمة العربية كلها إلى الهاوية!!

أسقط شعب مصر فاشية "الإخوان" وساند جيش مصر العظيم إرادة الشعب، استعادت مصر ثورتها التي اختطفت، واستعادت وحدتها التي سعى "الإخوان" لتحطيمها. ضاعت فترة طويلة فقدت مصر فيها الكثير، ولكنها كسبت أيضاً الكثير.. انكشف زيف المتاجرين بالدين. سقطوا في مصر، وسيسقطون في كل العالم العربي.

أثبتت مصر أن هويتها عصية على التلاعب بها، وأن شعبها لا يمكن خداعه وأن ثقافتها مصدر لقوتها، وأن عروبتها ليست محل مساومة، وأن إسلامها المعتدل لا يمكن أن يهزمه التطرف، وأن وحدتها الوطنية قادرة على الصمود لأعتى الأعاصير. كما أثبتت حقيقة كان البعض قد تناساها.. هي أنه لا مجال لتحقيق الأهداف التي تبنتها الثورة من عدل وحرية وكرامة إنسانية، بدون تحقيق الاستقلال الوطني وتحرير الإرادة الوطنية.

أسقط شعب مصر العظيم فاشية "الإخوان" استعادت مصر نفسها، واستعاد العرب مصر، المعركة مستمرة وطويلة والتحديات كثيرة، لكن صباحاً جديداً ورائعاً يولد في مصر. من حق شعب مصر والأمة العربية كلها أن تنتظر الخير بعد أن انزاح الكابوس من على صدر أم الدنيا.