غياب المُتغيّر الأميركي الجدي

ت + ت - الحجم الطبيعي

ما زالت عملية تسويق الأوهام مستمرة من قبل الطرفين الأمريكي والإسرائيلي، في ظل الحديث اليومي عن إمكانية استئناف العملية التفاوضية بين الطرفين، فيما تبدو الاشتراطات الإسرائيلية واضحة تماماً، وهي اشتراطات قدمتها حكومة بنيامين نتنياهو للطرف الفلسطيني، عبر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في زيارته الأخيرة للمنطقة، وعلى رأس تلك الاشتراطات الاعتراف الفلسطيني المسبق بما يسمى «يهودية الدولة»، والالتفاف على موضوع وقف عمليات التهويد والاستيطان.

ورغم أن الإدارة الأمريكية التي تحاول الإيحاء بوجود مُتغيّر حقيقي في الموقف، فإنها تقوم عملياً «ببيع الأوهام» للجانب الفلسطيني والعربي، عندما تُصوّر تحركها الراهن بأنه يستهدف فتح مسار سياسي جاد وجديد في المنطقة، على جبهة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.

فالوقائع تشير إلى أنه لا جديد على الإطلاق في الموقف الأمريكي، وأن كل ما يجري لا يعدو كونه إعادة إنتاج للمواقف الأمريكية التقليدية المعروفة إزاء قضايا المنطقة. ومن سوء الحظ أن الاشتراطات الإسرائيلية جوبهت بموقف عربي دون المستوى، من خلال تقديم التنازل العربي حول إمكانية إجراء تبادل للأراضي، والهبوط بمبادرة السلام العربية نحو الاستجابة للمطالب والاشتراطات الصهيونية الأمريكية.

في هذا السياق، لم تهدأ حركة الدبلوماسية الأمريكية لإعادة إطلاق العملية التفاوضية، بعد فرض اشتراطات إسرائيل المعلنة، وإملاءات جديدة على الفلسطينيين أسوأ من سابقاتها.

فقد عقد كيري سلة «تفاهمات» بين الطرفين تقوم على «تجميد» (وليس وقف) غير معلن لعطاءات وأعمال الاستيطان والتهويد لمدة ثلاثة أشهر حتى آخر يونيو 2013، مقابل وقف أية خطوات من السلطة الفلسطينية لدخول منظمات الأمم المتحدة، كالمحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، والانضمام لمجموعة الدول الموقعة على اتفاقيات جنيف الأربع.

بمعنى أن هناك عملية مقايضة أمريكية سيئة وغير أخلاقية، تجري محاولات لتسويقها مع الطرف الفلسطيني المفاوض وبتغطية عربية، وبالتالي لجذب الطرف الفلسطيني لطاولة المفاوضات بالاشتراطات الصهيونية كاملةً، مع تنازل عربي جديد عنوانه تعديل «مبادرة السلام العربية» والهبوط بها لمستوى أدنى مما هي عليه أصلاً.

ومع هذا، فإن إعلان وزير الإسكان في حكومة نتنياهو عن جاهزية وزارته لتسويق 296 وحدة سكنية لتوسيع مستعمرة «بيت إيل» قرب رام الله، ومسارعة نتنياهو لوقف هذه العملية، كَشَفَ الخلافات داخل حكومة الائتلاف الصهيونية حول «سلة تفاهمات» جون كيري الواردة أعلاه تمهيداً لاستئناف المفاوضات.

 يضاف إلى ذلك وجود غلاة المتطرفين في حكومة نتنياهو، من الداعين لاستيطان وتهويد كل الأرض المحتلة عام 1967 وإحياء عمليات الترانسفير.

فأصحاب القرار السياسي والأمني في إسرائيل، وخصوصاً قادة الأحزاب الصغيرة المشاركين في الائتلاف الحكومي، يرفضون بالمطلق إعادة كامل أراضي الضفة الغربية، مع الاحتفاظ الكامل بمدينة القدس الموحدة في أي مفاوضات قادمة.

ومن المعروف أن نتنياهو مُقيد حالياً بأكثر من قيد ضمن ائتلافه الحكومي، وخصوصاً من جانب حزب المستوطنين المسمى «البيت اليهودي» بقيادة المتطرف اليميني «نفتالي بينت».

فنحن هنا أمام حكومة إسرائيلية يمينية بامتياز، وأمام عناد إسرائيلي صهيوني كبير، لا تثنيه التنازلات العربية والفلسطينية، بل تفتح شهيته لتقديم المزيد من المطالب والاشتراطات. وعلى ضوء ما سبق، يتوقع للجهود الأمريكية الجارية أن تعطي نتائج محدودة، قد تكون من ثمارها عودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات (فريق رام الله الفلسطيني والطرف الصهيوني) في واشنطن، أو العاصمة الأردنية عمان أو في أي مكان آخر، بما في ذلك بين القدس ورام الله.

لكن هذه العودة لن تكون ذات معنى في ظل المعادلات السياسية والتفاوضية المُختلة، التي ما زالت إلى الآن تَحكُمُ مسار العملية السياسية التي ترعاها وتقودها الولايات المتحدة الأمريكية منذ مؤتمر مدريد عام 1991.

لذلك يتوقع للأمور أن تسير في اتجاه إعادة إنتاج حالها، كما كان في المفاوضات التي عقدت قبل عامين في العاصمة الأردنية عمان، تارة تحت عنوان مفاوضات التقريب، وتارة تحت عنوان مُضحك هو «المفاوضات الاستكشافية».

وفي هذا السياق فإن الرد الوطني الفلسطيني لا يكون بالسباحة مرة جديدة في بحر تلك الأوهام الأمريكية، بل في المراهنة على عوامل القوة الفلسطينية وضرورة تفعيلها، وفي المقدمة منها إعادة بناء الوحدة الوطنية الحقيقية، والمساعدة في إنجاح الجهود التي تبذل حالياً بين حركتي فتح وحماس من أجل تشكيل حكومة توافق وطني لمدة ثلاثة شهور، يجري خلالها التوافق على الانتخابات التشريعية والرئاسية.

فقد آن الأوان لإزاحة كابوس الانقسام وتداعياته الزاحفة كل يوم، وإسدال الستار عليه، وفتح الطريق أمام إحداث تغيير ذي معنى، نوعي وحقيقي، في البيت الفلسطيني، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني، باعتباره مشروع تحرر وطني لشعب نصفه تحت الاحتلال ونصفه الآخر في الشتات، والخروج من نفق الأوهام الذي طالما ساهم في تمزيق البيت الفلسطيني.

طباعة Email