عرف العالم على امتداد السنين، العديد من الرحالة الذين جابوا الآفاق، ولكن بالتأكيد فإن ويلفرد ثيسغر يعد رحالة فريدا من نوعه بكل المعايير، فقد كان رجلا تفتنه صحارى العالم، وقد أمضى سنواته الباكرة في الحبشة بصورة رئيسية، ولكن رحلاته في صحارى شبه الجزيرة العربية هي التي تجعله شخصية فذة وفريدة في كتب الرحلات، ويحمل كتابه الرئيسي عنوان: "الصحراء والأهوار والجبال"، ولكنه كان أيضا مؤلف كتابين يعالجان الجزء نفسه من العالم، وهما "الصحراء العربية" و"الأهوار العربية".
لكن الكتاب الذي يحمل العنوان الفريد "عالم البدوي"، هو الذي يقدم صورة للرجل الذي سيتذكره العالم، ليس فقط باعتباره الشخص الذي مضى إلى أماكن لم يزرها أناس من أوروبا والغرب إلا بالكاد، ولكن بوصفه الرجل الذي عاش في تلك الأماكن بالطريقة ذاتها التي اختبر بها سكانها أن يعيشوا حياتهم.
وفي حقيقة الأمر ولكي يكون المرء دقيقا، فإن بدو الصحراء الذين ارتحل معهم ثيسغر عاشوا بتلك الطريقة لأنهم لم يكن أمامهم خيار آخر، فالصحراء المترامية كانت هناك، وما من إنسان، بمن في ذلك السكان المحليون، كان بمقدوره تغييرها أو جعل الارتحال عبرها أكثر يسرا وراحة. كانت الصحراء تمتد هناك ميلا إثر آخر، وكان لا بد للإنسان إذا أراد أن يعبرها، أن يقوم بتلك بالطريقة الوحيدة الممكنة، ولا بد له من أن يتقبل الأخطار والمتاعب التي تجلبها.
بين عامي 1945 و1950 اختار ثيسغر أن يرتحل عبر صحارى شبه الجزيرة العربية الممتدة والخالية من السكان، ولكن ما هو أكثر من ذلك أنه اختار أن يعبرها بصحبة البدو العرب، وأن يعيش معهم كواحد منهم.
وعلى سبيل المثال، فإن أي شخص له أي تجربة في ما يتعلق بهذا الجزء من العالم، لا بد أنه يعرف الحر الخانق الذي يتعين على المرء احتماله هناك، ويعرف أن ضربات الشمس جزء من الألم الذي يتعين تحمله، والأجنبي الذي يمضي إلى ذلك الجزء من العالم يتعين عليه أن يحمي نفسه من ضراوة الشمس، فقد كان أبناء الصحراء من البدو على الأقل معتادين هذا المناخ، ولكن ثيسغر لم يكن حريصا على تحمل هذه الحرارة اللافحة فحسب، وإنما كان يرتدي ملابس البدو تماما بالطريقة التي يلبسونها بها. وهكذا فإنه لم يقدم لنفسه حماية من أشعة الشمس، بخلاف تغطية رأسه بالغترة التي يضعها البدو على رؤوسهم. وكان لمس الرمال المتقدة يعني احتراق اليد، والأمر نفسه ينطبق على القدم. ولما كان ثيسغر قد رأى أن رفاقه البدو أفلحوا في السير عبر رمال الصحراء بقدمين لا يحميهما شيء على الإطلاق، فقد حذا حذوهم تماما ولم ينتعل حذاء لوقاية قدميه.
بدا ثيسغر قادرا بلا انزعاج، على تحمل الصعوبات البدنية التي كانت جزءا من الحياة اليومية في الصحراء، لكنه أقر بأن الأكثر صعوبة من هذا الجزء من حياته كان "الارتقاء إلى المعايير الإنسانية لرفاقه من البدو".
وإلى جوار القيام بهذه الرحلات الخطرة عبر مئات الأميال من الصحراء، حمل ثيسغر معه كاميرا استخدمها بفعالية كبيرة في توثيق الأحداث. ويقول إريك نيوباي إن الصور التي التقطها ثيسغر كانت "مذهلة"، وتشكل "إحدى أعظم المجموعات من نوعها التي أنجزت على الطريق".
وإلى جوار رحلات ثيسغر في الربع الخالي من شبه الجزيرة العربية، ارتحل كذلك في أراضي هندكوش وقره قورم في شمال باكستان، ونورستان في أفغانستان، كما ارتحل كثيرا وسط الأكراد، ووصفت كتبه بأنها "كلاسيكية مثل الأدب الذي يدور حول القبائل العربية".
تعد الأماكن التي كتب عنها ثيسغر مثيرة للاهتمام بشكل استثنائي، ولكن الأكثر أهمية بالنسبة له كان أبناء القبائل المتباعدة، الذين كانوا من وقت إلى آخر يخاطرون بعبور هذه الصحارى.
كانت أعظم مكافأة لثيسغر هي معايشة الرفقة الحقيقية مع رفاقه من البدو، وهو يكتب بحب حقيقي عن الخصال التي تمتعوا بها، والصفات النبيلة التي كانت شيئا أصيلا فيهم، مثل الكرم والشجاعة والتحمل.. ووصف ثيسغر للصحارى والبدو الذين رافقوه في رحلاته يمنح كتاباته فردية مذهلة.