يمثل البعد الإنساني ركناً أساسياً في سياسة دولة الإمارات الداخلية والخارجية منذ نشأتها، وهذا ما جعلها نموذجاً للتعايش والتسامح والانفتاح والاستقرار السياسي والاجتماعي على المستوى الداخلي، ورمزاً للعون والمساعدة الإنسانية على المستوى الخارجي..
وينطبق هذا كله من الموقع المحوري للإنسان في رؤيتها التنموية، وهي رؤية ترى أن البشر هم أهم عناصر التنمية والثروة الحقيقية للأمم، التي يجب الحفاظ عليها وتطويرها وتنميتها...
وهكذا جاء تقدير دولي لسجل الإمارات الإنساني، من خلال اعتماد مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في مايو الماضي، تقرير الإمارات الثاني للاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، عبر عن تقدير دولي لسجل دولة الإمارات الإنساني..
واقتناع بسياسات وخطط ورؤى الدولة في هذا المجال، خاصة في ما يتعلق بحقوق العمال والمرأة والطفل، والجهود الخاصة بمواجهة الاتجار بالبشر وغيرها.
فكما هو معلوم، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تعد من طلائع الدول العربية التي بادرت بإعداد أول قانون خاص بمكافحة جرائم الاتجار بالبشر.. مع أن قانون العقوبات الاتحادي رقم (3) لعام 1983، نص في المادة (346) على تحريم هذا النوع من الأفعال.. وفي عام 2006 صدر القانون رقم (5) ليكون أداة فاعلة وفعّالة لمواجهة جرائم الاتجار بالبشر، حيث تم إنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، والتي باشرت عملها بالتركيز على ثلاثة محاور رئيسية تعنى:
* أولاً، باستكمال الجانب التشريعي والأطراف القانونية للقانون المشار إليه..
* ومن ثم الاهتمام بوضع معايير أخلاقية تستهدي بها وسائل الإعلام الثلاثة؛ المقروءة والمسموعة والمرئية.. وذلك إدراكاً من اللجنة للدور المحوري الذي يسهم به الإعلام في التعريف بمخاطر جرائم الاتجار بالبشر..
* أما المحور الثالث ففيه تتم مساعدة كافة الجهات ذات العلاقة، وتمكينها من اتخاذ مبادرات إيجابية للوقوف ضد تدفقات ضحايا جرائم الاتجار بالبشر، ونعني بها أجهزة الشرطة والنيابات العامة في الجهاز القضائي، وجمعيات النفع العام ذات العلاقة ومن في حكمها.
إن القارئ لتقارير اللجنة الوطنية لا يفوته إدراك الجهود الكبيرة التي بذلتها، عبر القيام بعمل احترافي تمثل في إنشاء أربعة ملاجئ لرعاية النساء والأطفال، يتم فيها توفير أعلى مستويات الرعاية الاجتماعية والخدمات المساندة، ووفق أحدث المعايير الإقليمية والدولية في مجال حماية وإعادة تأهيل الضحايا اجتماعياً ونفسياً ومهنياً.. وفي ذلك تضافرت هذه الجهود مع ما تقوم به مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال من ضحايا الاتجار بالبشر، والقيادة العامة لشرطة دبي كشريك استراتيجي.. وكما هو معلوم فإن جريمة الاتجار بالبشر تعد شكلاً من أشكال الجرائم الاقتصادية والجريمة المنظمة، التي تديرها شبكات دولية للإيقاع بالفتيات والأطفال في أوكار الرذيلة دون علمهم أو بتضليلهم.
كذلك فإن تجربة دولة الإمارات في حماية حقوق العمال، باتت واحدة من التجارب الرائدة على المستويين الإقليمي والدولي، لأنها تتبنى منهجاً شاملاً ومتكاملاً في التعامل مع حقوق العمال.. فأولاً، هناك ضمانات قانونية تحفظ للعمال حقوقهم في مواجهة أصحاب الأعمال والشركات، كنظام حماية الأجور الإلكتروني الذي سبقت الإشارة إليه في مقال سابق..
كما تلتزم الدولة ضمان حقوق العمال الأجانب المقيمين على أراضيها وفقاً للمعايير الدولية، سواء تعلق الأمر بتوفير السكن العصري المناسب أو بتوفير الرعاية الصحية الكاملة، وغيرها من الحقوق التي تضمن توفير البيئة المناسبة لهم لأداء الأعمال.. كما تم تطبيق نظام التصديق الإلكتروني على عقود العمل عبر «الإنترنت»، والذي يوفر أكبر حماية لمصالح العمال الأجانب ويمكّنهم من معرفة حقوقهم والحصول عليها كاملة قبل مغادرتهم لبلادهم الأصلية.
أما بالنسبة لحقوق الطفل فقد صدر في مطلع نوفمبر من العام المنصرم، مشروع قانون اتحادي شامل لحقوق الطفل.. ويعتبر صدور هذا القانون ثروة إضافية لجهود دولة الإمارات العربية المتحدة للدفع في اتجاه التشريعات الاجتماعية والارتقاء بها، فضلاً عن تمكين جهود المنظمة الدولية التي توجت بصدور اتفاقية حقوق الطفل، التي أجازتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وصادقت عليها الدول الأعضاء عام 1998.
هكذا تتحمل الدولة مهام عسيرة كدولة رائدة في الوقاية ومكافحة هذا النوع من الجرائم.. ولا شك أن النجاحات التي تحققت وفي زمن قياسي، تؤكد حرص الجهات المسؤولة على التصدي لهذه الظاهرة الغريبة على مجتمعنا ليبقى آمناً ومستقراً.
ولعله من الأهمية التأكيد على أن جرائم الاتجار بالبشر تعد من أهم مظاهر عولمة الاقتصاد وتداعيات النظام العالمي الجديد.. ولذا ما زال على جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان تكثيف جهودها، للوقوف بصلابة ضد استغلال النساء واستباحة جسد المرأة وتحويله إلى سلعة تباع وتشترى.. وتكفي الإشارة إلى أن تقرير الأمم المتحدة الذي يفيد بأن الناتج العالمي الخام من عائدات جرائم الاتجار بالبشر، يصل إلى 1200 مليار دولار في السنة.. أي ما يمثل 15% من حجم التجارة العالمية!
ومن المؤسف أن هنالك دولاً تربط بين معدلات نموها الاقتصادي، وبين الفوائد والعوائد الاقتصادية التي تجنى من مثل هذه الممارسات اللاإنسانية، وتحاول تسريب هذه الأنماط السيئة من الجرائم إلى كل الدول الخليجية.. ولا سبيل لإبطال هذا إلا بتضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية.