أضحت أفكار ستينات القرن الماضي رجعية في عالمنا الذي يختلف إلى حد كبير عما كان عليه قبل نصف قرن من الزمن. لنأخذ الإعانات المقدمة بحسن نية لمن تجاوزوا الثانية والستين من أعمارهم على سبيل المثال. لماذا لا تزال هناك خصومات خاصة بكبار السن، وتوسعات كبرى في برنامجي "الضمان الاجتماعي" و"ميدي كير"، ومعاشات عامة سخية؟
قبل خمسة عقود من الآن، كان ذلك كله منطقياً. إذ لم يكن هناك شيء من قبيل الجمع بين راتبين. وكان كبار السن مرهقين بدنياً غالباً من وظائف ذوي الياقات الزرقاء. وكانوا عادة أكثر فقراً ومرضاً من سائر المجتمع بشكل عام. وكانوا عادة يتوفون بعد وقت ليس بالطويل من تقاعدهم.
ولكن ليس الآن، حيث يعيش كبار السن غالباً لربع قرن أو أكثر بعد تقاعدهم من وظيفة مكتبية في المجمل، وذلك في ظل سحبهم للإعانات من أولئك الأقل قدرة على دفع ثمنها.
وليس حال المسنين كحال شباب اليوم المفلس، الذي يقتصد من أجل دفعة أولى من ثمن منزل ما. فمعظمهم لا يناضلون من أجل العثور على عمل ولو بدوام جزئي. ولا يسدد أي منهم قروضاً طلابية ساحقة. وفي ظل اقتصاد متكلس، لماذا يستحق زوجان ثريان في أوائل الستينات من عمرهما "خصماً خاصاً بكبار السن" على أحد الأفلام، فيما لا يستحق الزوجان الشابان المكافحان ذوا الـ3 أبناء، الواقفان في الطابور نفسه، أي خصم؟
لقد صمم الدعم للفئات المستحقة و"التنوع" القسري، أصلاً، لإعطاء دفعة لأولئك الذين وقعوا ضحية للتحيز التاريخي من جانب المجتمع ذي الأغلبية البيضاء، الذي يفترض أنه اتسم بالقمع. فهل ما زال ذلك صحيحاً، بعد نصف قرن من ترسيخ هذه الافتراضات؟
عبر قدر أكبر من الزواج المختلط والهجرة، أصبحت أميركا دولة متعددة الأعراق. فلا يمكن للون بشرة المرء أو مظهره العام أو لهجته أو اسمه أن يحدد بسهولة "القامعين" أو "الضحايا".
فمن بالضبط ينبغي أن يتلقى امتيازات فيما يتعلق بالتوظيف أو القبول في الجامعات، المهاجر الباكستاني حديث الوصول، أم الأميركي المكسيكي الذي يعد من أبناء الجيل الثالث، وينتمي للطبقة المتوسطة العليا، ولا يتكلم الإسبانية؟ كلاهما أم لا أحد منهما؟ ماذا عن شخص من أصل نصف جامايكي؟ ماذا عن أبناء النائب العام الأميركي إيريك هولدر أو السيناتورة إليزابيث وارن التي تزعم أنها أميركية أصلية؟ ماذا عن الحفيد الأبيض المسكين لمشردي أوكلاهوما الذين أصبحوا الآن أقلية في ولاية كاليفورنيا؟
حتى لو تمكنت دولة القرن الحادي والعشرين من تحديد من يعتبر ابن أقلية، فما هي الأسس الأخلاقية التي يستحق المستفيد المستهدف بناء عليها اهتماماً خاصاً؟ هل يعتبر أقل حظاً لأنه أكثر فقراً، أو نتيجة لصدمة سببتها له محن أجداده الماضية، أو بسبب تعرضه في الأمس لتحيز عنصري روتيني؟ لنأخذ بعين الاعتبار أيضاً الافتراضات المتكلسة بشأن التعليم الجامعي. فقد كانت جامعات ستينات القرن الماضي توصف بأنها بوابة المستقبل نحو أميركا أكثر ذكاء وعدلاً وثراء وأخلاقية. فهل ما زال ذلك الحلم ساري المفعول؟
اليوم، يثقل كاهل ذوي التعليم الجامعي دين جماعي يبلغ تريليون دولار من القروض الطلابية غير المدفوعة. ويعجز ملايين الخريجين الجدد عن العثور على وظائف تقدم لهم فرصة كبيرة لسداد ديونهم الطلابية الساحقة. ورداً على ذلك، فإن مطاحن الدبلوم الخاص تظهر في كل مكان. ولكن لا وجود لـ"قياصرة التنوع" في جامعة "ديفراي". وليس هناك ما يكفي من الوقت أو المال لدروس مثل "قمع النوع" في جامعة "فينيكس". ولا يحظى الطلاب بجدران تسلق أو بفرصة أن يخاطبهم مايكل مور في كلية "هيلد".
ويفترض حرم القطاع الخاص افتراضات أخرى. أحدها هو أن متطلب الفنون الليبرالية الهام فسد، ولم يعد يضمن لرئيس العمل أن مرؤوسه المتخرج من الجامعة يتفوق في سعة علمه وليبرالية فكره على أقرانه الذين دفعوا رسوماً أقل بكثير لقاء دورات تدريب مهني في جامعات أخرى ربحية. لنلق نظرة على النبلاء الحكوميين المتورطين في فضائح الإدارة الأميركية، بما فيها فضائح دائرة الإيرادات الداخلية ووكالة "أسوشيتد برس" وبنغازي.
في كل حالة من تلك الحالات، لم يضمن التخرج من إحدى جامعات "آيفي ليغ" المرموقة أن يتسم أفضل تكنوقراطيينا وألمعهم بالشفافية أو يتصرفوا بنزاهة. ما الفرق الذي أحدثه تخرج المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض جاي كارني، ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، والنائب العام الأميركي إريك هولدر، والرئيس الأميركي باراك أوباما، والسفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس من جامعات مرموقة حين ضللوا الشعب الأميركي أو الكونغرس؟
منذ فترة طويلة، وعدنا مثاليو ستينات القرن الماضي، المتقدمون في السن الآن، بأن مواطنين يحملون درجات موحدة، ويرعاهم تكنوقراطيون متخرجون من جامعات "آيفي ليغ"، سوف يجعلون من أميركا مكاناً أفضل من خلال فرزنا استناداً إلى الاختلاف في العمر والجنس والتعليم والعرق. لقد حان الوقت الآن لأن ننهي ذلك الحلم المتحجر قبل أن يصبح كابوسنا الجماعي.