عندما بدأت هذه المجموعة من شباب مصر حركة "تمرد" لم يكن أحد يتوقع لها أن تصبح بؤرة الأحداث السياسة في هذا الوقت القصير. كان هؤلاء الشباب قد أدركوا خطورة الوضع، فالإخوان وحلفاؤهم يسيرون في طريقهم لـ"أخونة" الدولة وفرض الأمر الواقع. ورغم تراجع التأييد الشعبي لهم بدرجة هائلة، إلا أن المعارضة عاجزة عن تحويل هذا التراجع إلى جانبها، وجبهة "الإنقاذ" تراوح مكانها،.
وهي بحكم تكوينها من أحزاب وقوى سياسية متباينة لم تستطع تكوين رؤية مشتركة أو تقديم برنامج يتجاوز رد الفعل على ما يحاول حكم الإخوان فرضه على واقع مصر، بالإضافة إلى مشاكل وانقسامات داخلية يواجهها كل حزب أو تيار من القوى التي تشكل الجبهة. خاصة أن معظمها مازال حديث التكوين بينما القديم منها (مثل الوفد والتجمع) يعاني من آثار سنوات ما قبل الثورة سواء منها ما يتعلق بالحصار الذي تعرض له، أو بالمواقف من النظام السابق.
كان الموقف شديد الارتباك، فنظام الحكم الإخواني ينتقل من فشل لآخر ويفقد الكثير من التأييد، واكبر حلفائه في الفترة السابقة (حزب النور) ينتقل لموقف معارض بعد خلافات جذرية وبعد اتهامات لـ"الإخوان" بمحاولة تفجير الحزب من الداخل، وجبهة "الإنقاذ" تراوح مكانها ولا تتحرك في الشارع كما ينبغي. لنصل مع الذكرى الثانية للثورة في يناير الماضي إلى منحنى جديد للعنف.
حيث سقط عشرات الشهداء (في مدينة بورسعيد وحدها سقط خمسون شهيداً في يومين) وبدأت تتوالى إلى عمليات اغتيال النشطاء من شباب الثورة، ومعها قصص التعذيب والاعتقال (هناك أكثر من أربعة آلاف معتقل في العام الأخير منهم أكثر من أربعمائة من الأطفال تحت 15 سنة).
نتيجتان هامتان ظهرتا في ظل هذه الظروف، الأولى أنه مع تصاعد العنف في مواجهة الشباب، بدأ اتجاه لاستخدام العنف المضاد، وبدأت جماعات مثل "البلاك بلوك" تتكون، وأصبحت الصدامات قاسماً مشتركاً في كل حدث سياسي، أما النتيجة الثانية فكانت تصاعد مشاعر الإحباط بين قطاعات كبيرة من الشعب وهي ترى الأمر الواقع يتم فرضه بالقوة، والاحتجاجات يتم قمعها بكل عنف، وخطوات "أخونة" الدولة تجري رغم الرفض العام لها.
في هذه الظروف المتشابكة جاءت مبادرة "تمرد" لتقلب الأمور رأساً على عقب. كانت الفكرة بسيطة لكن الطموح كان كبيراً من مجموعة شباب لا يملكون إلا الإرادة والحماس والإخلاص الحقيقي للوطن والثورة. قالوا إنهم سيجمعون 15 مليون توقيع على استمارات تقول إنه يكفي عام واحد من رئاسة الدكتور مرسي، وتطلب انتخابات رئاسية مبكرة.
في البداية لم يكن الأمر لافتاً، حتى تحول إلى ظاهرة، حيث التسابق على التوقيع، وحيث بدأ الناس يطبعون على نفقتهم آلاف الاستمارات لأن من اطلقوا المبادرة لم يكن لديهم الإمكانات المادية لتوفير الاستمارات لطالبيها. والأهم من ذلك ان تحول الأمر إلى تحرك لجيل جديد من الشباب يملأون الشوارع ويديرون الحوارات السياسية في كل مكان، ويجمعون توقيعات ملايين المواطنين الذين تركوا الخوف وراء ظهورهم، وأعلنوا أنهم سينزلون في 30يونيو في تظاهرات سلمية تطلب انتخابات رئاسية مبكرة.
ظاهرة "التوكيلات" ظاهرة مصرية عريقة. ثورة 19 بدأت مع "توكيلات" شعب مصر بكل طوائفه لـ"الوفد" الذي قاده سعد زغلول للمطالبة باستقلال مصر. وقبلها كانت "عرائض" التأييد لأحمد عرابي وهو يقاتل القوات البريطانية القادمة لاحتلال مصر في نهاية القرن التاسع عشر. والآن يلتقط الشباب الفكرة وهم يسعون لاستعادة الثورة التي اختطفت منهم ولإسقاط حكم الإخوان الذي يقود البلاد نحو الهاوية.
ورغم تعدد حوادث الاعتداء التي واجهها الشباب فقد تمسكوا بسلمية تحركهم ورفضوا استخدام العنف، وأعلنوا ان 30 يونيو يوم للتظاهر السلمي من جانبهم، بل ونجحوا في ان يقنعوا جماعات كانت قد بدأت سابقاً في استخدام العنف مثل "بلاك بلوك" بأن تعلن أنها ملتزمة بسلمية التحرك في 30 يونيو.
في المقابل-وبعد محاولات أولى لتجاهل الظاهرة-اضطر الأخوان وحلفاؤهم للتحرك المضاد. وبدأت محاولات لاستدراج الشباب للعنف والاعتداء على مقراتهم ولكنها لم تنجح. وبعدها بدأ الحشد واستعراض القوة والتهديد بالعنف، وفي حين رفض "حزب النور" السلفي الدعوة التي اطلقها الإسلاميون للنزول للميادين قبل يوم 30 يونيو.
وأكد أنه يرفض الصدام، فإن جماعات أخرى تتحالف مع "الإخوان" تتولى مهمة التصعيد والتهديد بالعنف، وفي مقدمتها "الجماعة الإسلامية" التي قتلت السادات وارتكبت مذبحة اسيوط وغيرها من المذابح قبل أن تعلن تراجعها عن العنف بعد "المراجعات" الشهيرة.
أخطر ما في الأمر أنه مع خطر الانجرار إلى صدام دموي لا يعلم إلا الله مداه، فإن الانسداد السياسي هو سيد الموقف. ورغم ان أزمات مثل أزمة السد الإثيوبي أو كارثة الإرهاب في سيناء، كانت تفرض وحدة الصف في مواجهة الخطر، فإن الانقسام مازال يتحكم في الموقف، والتصعيد مازال على حاله.
ورغم حديث للرئيس المصري عن استعداد للمصالحة الوطنية، فإن الواقع يجري في مسار آخر. ولو أراد ذلك بالفعل لبدأ في الاستحقاقات المطلوبة وفي مقدمتها حكومة وحدة وطنية، ونائب عام بدلاً من هذا المحكوم ببطلان تعيينه، وتتوقف الحملة ضد القضاء، وضد الصحافة والإعلام، وضد المثقفين الذين يعتصمون ضد هذا العبث الذي يجري لهدم الثقافة المصرية ومحاكمة رموزها في محاكم التفتيش !!
بدلاً من ذلك يعلو الصراخ بأن "المشروع الإسلامي" في خطر، وكأن مصر لم تكن مسلمة قبل ذلك، ويتم استخدام كل الأسلحة الفاسدة التي لم تعد تقنع أحداً .. بداية من أن حركة "تمرد" هي حركة مسيحية، إلى الحديث الممل عن الإعلام الفاسد والمؤامرات الداخلية والخارجية، إلى حديث "الشرعية" التي ضربت في مقتل بالإعلان غير الدستوري الذي فرض على مصر، برلماناً باطلاً ودستوراً وضعته جمعية باطلة، وكأن الشرعية يمكن أن تقوم على كل هذا البطلان.
في الطريق إلى 30 يونيو تعيش مصر أياماً صعبة. التهديد بالعنف لا يخيف أحداً. استخدام العنف سوف يكون ثمنه باهظاً. هل تحدث معجزة ويتم اختراق الانسداد السياسي، أم أن الأوان قد فات والرغبة في الاستحواذ على السلطة والتمكين من الدولة سوف تشعل الحريق وتدمر الوطن؟!