كم صبرنا والصبر ليس فضيلة عندما يتناهى الضرر ويصبح الصمت جبنا وقصورا في الرؤى وتركيزاً على مضرة مفترسة تحيط بنا ونحن واعون لها صامتون عنها. الصمت أصبح يعني الخذلان الكامل والاستسلام. نحن جميعنا نـرى ما يحدث أمام أعيننا من تحقير للغة العربية والعمل على دفنها وهي تنبض بالحياة. جريمة تقع أمام أعيننا هدفها القضاء النهائي على موروث رفيع نادر المثيل في العالم جميعه، موروث هو العامل الأول الذي جمع هذه الأمـة وحافظ على أرومتها وترابطها.

من هم هؤلاء المشؤومون الذين قرروا الدخول الهانئ إلى لباب حياتنا والعبث بتاريخنا وإنجازنا السباق ثم شرذمتنا نهائيا إزاء عالم يسعى إلى الالتفاف والاتفاق ووحدة الصف والمزيد من القوة المتضافرة. من هم؟

لقد طفح الكيل ورأيت الوضع تتعدد مسالكه وأوباؤه، ورأيت القلاع العربية منهوبة والوجود العربي منتهكا واللغة العربية منبوذة. قلت: هذه نقطة الصفر وحد الإملاق الفكري الكامل وزمن الغباء المشين. قومي. أنت لا تملكين بعد متسعا من الصبر والوقت. اعملي ما يمليه عليك الضمير الذي لا ينـام.

ووقفت أنتفض قهرا وأسىً تماما كما وقفت سنة ١٩٨٤ في مكتبة أكاديمية نـوبـل في استوكهولم أرتجف قهرا وأسىً وقد اكتشفت لتوي ومعي الشاعران التونسيان المنصف الوهايبي ومحمد الغزي أن كل ما عندهم في تلك المكتبة العالمية التي تختزن ثقافة الإنسانية جميعها أربعة كتب عربية صغيرة مترجمة من الثقافة العربية.

 كانت هزة فجائية جارفة اقتلعت من أعماقي كل مسارب الخوف من الحياة فتركت التدريس الجامعي وتأميناته وكل شيء آخر ودخلت وحدي دون تردد إلى معركة شاسعة ما لبثت أن أغرت معنا الأبناء والزملاء فوصلنا الليل بالنهار لا ننام حتى كتب لهذا العمل النجاح لشدة الحاجة إليه. وها هي كتبنا الموسوعية الموضوعة وتلك المترجمة تملأ رفوف المكتبة العالمية اليوم. لقد أنهينا ذلك الوضع الشائن وأرجو أن تستمر المعركة بعدي.

والآن إزاء ما يحدث للغة العربية في مخطط يريد القضاء عليها جئت إلى دبي وحدي أيضا فلعل صراع المتوحدين والمتوحدات ما دام جادا وفاعلا يخاطب ضمير الأصفياء القادرين. فقـد لقيت له استجابة واسعة من قبل.

لماذا دبي؟ كنت قرأت منذ مـدة كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «رؤيتي»، كما اشتركت في نشاط مؤسسته الثقافية منذ بضع سنوات وأنا الآن على وشك الانتهاء من العمل على كتاب كبير شامل عن الحضارة العربية الإسلامية في صقلية قمت به مشاركة مع مؤسسة محمد بن راشد الثقافية أرجو أن يكون توأماً لكتابي عن الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس. فاهتمامه بالثقافة العربية واضح وصريح.

ولكني حال وصولي دبي واجهتني أعظم مفاجأة يتمناها الإنسان وهي أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كان قد اتخذ قراره لحماية اللغة العربية من الاستنزاف والإبعاد الذي حاق بها وبدأ ذلك في مؤتمر واسع هـدفه أن يقصي ما حاق بها من خطر فادح وأن يعمل على إعـادة المهابة والكرامة إلى هذه اللغة الغنية العريقة ذات الإنجازات التي لا يعرف حتى العرب المعاصرون أنفسهم بُعد شأنها وجلالة إبـداعها.

أهنئك يا صاحب السمـو الشيخ محمد، من كل قلبي، وأهنئ الأمة جميعها بك فهذه عملية إنقاذ شاسعة لا تسمح لنـا بالتردد لحظة واحدة. بين يديك حلم يتحقق، بين يديك وعـد لتاريخنا الثقافي الطويل أن لا يقبل التخاذل والانحراف، بين يديك ثقافتنا كلها وإبداعنا الرائع كله وعطاؤنا الأريحي للعالم كله.

وتراثنا الثري البهي السبّاق كله، بين يديك ماضينا ومستقبلنا، وأؤكد لك أنك في هذه القيادة والريادة لن يتركك أعزّاء النفس وحدك. بتضافر معك كل مختص يحترم نفسه وهويته وكرامة أمتـه، يجيئونك ويلتفون حولك وينهض العمل بك وبهم وبشبابنا الأبرياء وتطلعهم إلى دخول العالم الحديث محصنين بلغتهم وهويتهم وحضارة فازت وأضاءت ولن تنهـزم.