انفجرت معركة مياه النيل في أسوأ الأوقات بالنسبة لمصر، وربما أيضاً بالنسبة للسودان. الملابسات التي أحاطت بالخطوة الاثيوبية الأخيرة بتحويل مجرى النيل لبدء الأعمال الإنشائية لسد النهضة ضاعفت من وقع الصدمة في القاهرة التي تعتمد اعتماداً كلياً على مياه النيل في تأمين احتياجاتها.

كان الرئيس المصري قد ذهب إلي أديس أبابا لحضور القمة الإفريقية التي عقدت اجتماعا استثنائيا بمناسبة مرور خمسين عاماً على إنشاء المنظمة. لم يستقبله رئيس الوزراء الاثيوبي في المطار، وعندما تكلم في المؤتمر قطعوا عنه الميكروفون لتجاوزه الوقت المحدد، لم يعامل كرئيس للدولة التي كان لها الإسهام الأكبر في قيام المنظمة حين كان عبد الناصر هو رجل إفريقيا الأول وينير حركات الاستقلال فيها.

هو نفسه لم يتحدث كوريث لهذا الدور العظيم الذي مازالت إفريقيا تتذكره بكل احترام. بعد عودته للقاهرة بساعات قليلة كانت إثيوبيا تعلن تحويل نهر النيل. تضاربت الأقوال فيما إذا كان رئيس وزراء اثيوبيا قد أخبر الرئيس المصري بالموعد في لقائه به أم لا. القاهرة تقول إنه لم يحدث، والمصادر الصحفية الأثيوبية تقول إنه حدث، والرئيس المصري لم يعترض.

أياً كان الأمر فقد كان الخبر صادماً للرأي العام. ورغم أنه تحويل المجرى في حد ذاته هو إجراء مؤقت لا يؤثر في كميات المياه التي تمر إلى دولتي المصب (السودان ومصر) إلا أنه يعني أن العمل الجاد في السد قد بدأ، وأن أثيوبيا ماضية في مخططاتها دون أن تلقي بالاً لردود الفعل في دولتي المصب. بل إنها لم تنتظر تقرير اللجنة الثلاثية التي تضمها مع الدولتين ومع خبراء عالميين لتقدير مدى الأضرار التي يسببها السد الجديد، بل تعمدت استباق هذه النتائج بإعلان تحويل مجرى النهر.

تتضارب الأنباء حول أضرار السد الاثيوبي على مصر والسودان، وتتعزز الشكوك مع تعمد أثيوبيا إخفاء الحقائق عن السد والذي كانت تقول - قبل شهور فقط- إنه سيحتجز 13 مليار متر مكعب من المياه.

فإذا بالتقارير تقول الآن إنه سيحتجز 74 ملياراً، ولو تم ملء خزانات هذا السد على مدى خمس سنوات مثلاً لكان معنى ذلك نقص حصة مصر والسودان بمقدار 15 مليار متر مكعب سنويا (وهذه كارثة بكل المقاييس)، بالإضافة الى الآثار الخطيرة الأخرى وفي مقدمتها نقص كهرباء السد العالي بحوالي 30% وتبوير ملايين الأفدنة الزراعية.

وأخطر ما في الأمر أن هذا (إذا تم تمريره) لن يكون نهاية المطاف، فالسد الأثيوبي هو جزء من مخطط كبير أعدته أميركا قبل خمسين عاماً لكي تتحكم أثيوبيا في مياه النيل!! وفي عام 1964 ومع تحويل مصر لمجرى النيل لبدء العمليات الأساسية في السد العالي، كانت أميركا تقدم لأثيوبيا هذا المخطط الذي تم تحديثه بعد ذلك.

والذي يتضمن (بخلاف سد النهضة الذي يتم بناؤه) ثلاث سدود كبرى على النيل الأزرق، وعدداً من السدود الصغيرة في مناطق أخرى، ليصل حجم المياه التي يتم تخزينها هناك الى 200 مليار متر مكعب، أي حوالي ثلاثة أضعاف الحجم المعلن للسد الذي بدأ بناؤه.

في حياة عبد الناصر كان نفوذ مصر الإفريقي ضماناً لعدم تنفيذ هذا المخطط. وعندما بدأ الحديث أيام السادات هدد باستخدام القوة. ومع تراجع دور مصر الأفريقي بدأت محاولات أثيوبيا بهذا الصدد، لكن مصر نجحت في منع البنك الدولي والدول الكبرى من الإسهام في هذه المشروعات على أساس أن القانون الدولي يفرض موافقتها هي والسودان على أي مشروعات في أعالي النيل حتى لا تضار منها.

وتزداد الصدمة مع الإعلان عن تعاقد أثيوبيا مع إحدى الشركات الإسرائيلية لإدارة الشركة التي ستشرف علي إنتاج الكهرباء من السد وتوزيعها، وهو تطور استراتيجي بالغ الخطورة على أمن مصر القومي يفتح الباب أمام كل الاحتمالات.

مصر تملك الخبرات القادرة على مواجهة الموقف، لكن الأمر يحتاج لوحدة وطنية تضم الجميع، ولقيادة واعية وقادرة على إدارات الصراع.

معركة مياه النيل هي - بالنسبة لمصر- معركة حياة أو موت. والقبول بالأمر الواقع الذي تريد أثيوبيا (ومن وراءها) فرضه يعني الكارثة، ومن ناحية أخرى فالحرب مستبعدة، والعلاقات بين أبناء حوض النيل لا ينبغي مطلقاً أن تخضع لمنطق القوة، والحل ينبغي أن يضمن التعاون في المشروعات المائية في دول الحوض ولمنع الدول المعادية من أن تكون طرفاً له قرار في مسألة حيوية مثل مياه النيل.

والعقبة الأساسية هنا أن الحل الصحيح لإنقاذ الموقف يستلزم أن تخوض مصر هذه المعركة الأساسية في ظل وحدة وطنية تضم كل المصريين، ومع قيادة واعية وقادرة على إدارة الأزمة، ومع حكم يعيد الاستقرار في الداخل ويفتح كل أبواب التعاون مع عالمه العربي، ويستعيد دور مصر الفاعل في إفريقيا، ويكتسب تأييد العالم لحقوقه التاريخية والمشروعة.

بدون توفر هذه الشروط لن تستطيع مصر حسم المعركة لصالحها، هذا ما يدركه الشعب، وما يدركه الجيش أيضاً، وهو يرى أمن مصر القومي يتهدد كما لم يحدث من قبل!!