بين نوفمبر 2011 ومطلع 2012، بلغت حدة خلافنا ذروتها. نحن فريق عمل برنامج منتدى الإعلام العربي أثناء جلسات العصف الذهني للتحضير للمنتدى، هل ندعو باسم يوسف كمتحدث في المنتدى؟ أم أنه دخيل على المهنة ولا مكان له على المنصة مع نظرائه الإعلاميين؟ مع الوقت، انتصر سعي المنتدى لاستشراف مستقبل الإعلام، واختار يوسف بشغف، ليشارك في جلسة رئيسية، حول منافسة القنوات الفردية على «يوتيوب»، لفضائيات تعمل فيها جيوش من الكوادر المؤهلة وترصد لميزانياتها الملايين.
عندما بدأ فريق العمل إعداد برنامج الدورة الثانية عشرة للمنتدى، رصدنا خلال بحثنا ظاهرة آخذة في الازدياد، تمثلت في هجرة الإعلام الساخر من الصحافة المكتوبة إلى العالم الرقمي، وخاصة المرئي في «يوتيوب»، ومن ثم إلى القنوات الفضائية. ووجدنا أنفسنا مرة أخرى أمام نفس الشخص الذي تصدّر برنامجه «البرنامج» أعلى نسب المشاهدة في مصر. فباشرنا اتصالاتنا من أجل دعوة «عميد الإعلام الهزلي» إلى منصة المنتدى.
لن أتحدث عما قاله طبيب القلب باسم يوسف على منصة هذه الجلسة، والتي اكتظت وازدحمت قاعتها بالحضور وقوفاً وجلوسا، وإنما عن حوارٍ حظيت به حين رافقته من مقر إقامته في فندق أتلانتس، إلى فندق جراند حياة مقر انعقاد الفعالية. قضيت معه نحو نصف ساعة في السيارة.
وكان من المفترض ألا أُفاجأ بعمق معرفة باسم يوسف واتساع ثقافته، فهما أمران أثبتهما على الشاشة وكانا سر نجاحه، إلا أن تماسك أفكاره وسيرها في نسق متزن شدني من جديد، فليست خفة ظله وقدرته على كشف المفارقات وحدها ما جعله محط الأنظار، وإنما غيرته على بلده، ورغبته في إيجاد حلول للأزمة التي تعيشها مصر وبعض مناطق الوطن العربي، من خلال تجريد الأحداث وإعادة قولبتها بحس فكاهي نقدي.
لقد سنحت لي الفرصة في الماضي لأن أقابل العديد من الكتاب والعلماء والقامات الصحافية، خلال ست سنوات أمضيتها عضوا في اللجنة المنظمة للمنتدى، وأقول وكلي يقين إن لدى يوسف ملكة فطرية، لا تقل عن موهبة عالم أو باحث مبدع. فقد لمست في حضوره صدقاً في ما يقدم ويطرح، وإيمانا بأن تغيير الحاضر ضروري لبناء المستقبل، وأن الكوميديا التي تغلف أسلوبه، يعتصرها ألم خفي لرجل عروبي، يحترم البشر على اختلاف أديانهم وأعراقهم.
ما لبثت أن سرت معه أمتارا قليلة حتى التف حولنا المعجبون من كل مكان، فسألته عندما ركبنا السيارة عن أثر الشهرة على حياته الخاصة. بدا سؤالي وكأنه مس وترا شجع باسم على الفضفضة.. فأجابني بأنه دفع ثمناً غالياً، فهو لا يخرج من البيت، ويلتقي أصدقاءه وأهله في المنزل. وقال إنه تعرض لخذلان أشخاص كان يعتبرهم أقرب أصدقائه، وإن الشهرة تفرض عليه مسؤولية أن يكون بمستوى توقعات الجمهور.
أخبرني أن شعرة تفصل بين حب الجمهور وكرههم، فمن السهل جداً أن ينتقلوا في لحظات من الإعجاب إلى الهجر، وأنه لا يعول على الشهرة بقدر الرسالة التي يحملها للإسهام في حل الأزمة المصرية.. ثم قال لي إنه ملتزم بموعد بعد الجلسة مباشرة، ويود أن يغادر القاعة فور انتهاء مداخلته.. لأكتشف لاحقاً أنه كان قد حجز موعداً ليصطحب ابنته إلى حديقة الدلافين في دبي.
أردت أن أوجه الحديث إلى منحى أتعرف فيه على العقلية التي تحكم عمل باسم. فسألته، هل ثمة أزمة في الفكر المتشدد الذي يحكم مصر؟ أم أنها المصالح السياسية التي لا تتسع للفرقاء؟ قال إن استخدام ستار الدين، واستغلال الناس البسطاء «الغلابة» لخدمة الأجندات والاستئثار بالحكم، هو لب الأزمة. فلا يمكن الادعاء بأن أحدا بعينه هو خليفة الله على الأرض، فكلنا مستخلفون فيها.
فكرة بنى عليها باسم عندما أخبرته بأنني من أصل فلسطيني، فقال لي إن ما يحدث في مصر، شبيه بالسيناريو السياسي في غزة. حدثته مستذكراً أول نقاشات قرارات حكومة حماس، إذ سمح وزير داخليتها بإطلاق اللحى لأفراد أجهزة الأمن، وطلب وزير الثقافة آنذاك إعادة التفكير في شرعية الرقصة التراثية «الدبكة»، لما فيها من اختلاط؛ متناسيا ارتباطها بالهوية الوطنية كفنٍ راق مرتبط بتاريخ موغل في القدم.
مشاهد وجدنا فيها قواسم مشتركة، واتفقنا أنها تشكل مادة خصبة لإعلام هزلي بناء، فالنكتة تأتي جاهزة من مصدرها، وما على باسم إلا فضح مفارقاتها بأسلوبه المبتكر، لا ليهزأ أو يسخر من شخص صاحبها أو مؤسسته أو حزبه، وإنما من المفارقة في الفكرة نفسها، لتنقل الهم السياسي والاجتماعي للجمهور.
ولقد لخص باسم سبب اتهامه باستهداف الحزب الحاكم في مصر قائلاً: إن التيارات اليمينية إقصائية بطبعها، مما يجعل غالبية سياساتها عرضة لسخرية من استثنتهم. ولا تنسى، يقول لي باسم، أن السلطة أصلا، في كل بقاع العالم، مصدر خصب للنكات والنقد، فما بالك عندما يجتمع اليمين والسلطة معاً!