أسعدني كثيرا أن أعلم مؤخراً أن دار الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب، الواقعة في جيكور على بعد 20 كم من البصرة، قد تم تحويلها إلى منتدى ثقافي تكريما له وتقديراً لعطائه الكبير للشعر والأدب العربيين.

كنت قد تبادلت الرسائل لبعض الوقت مع الشاعر العراقي الكبير، الذي كانت تلك الدار النائية في جيكور ساحة لطفولته ومصدر إلهام للعديد من قصائده. وقدر لي أن أتمكن من إصدار مجلة أدبية تحمل عنوان "أصوات"، وأتذكر أنني تلقيت في ذلك الوقت رسالة من بدر ينتقدني لاختياري بابلو بيكاسو ليكون أول فنان ألقى الأضواء عليه في هذه المجلة. وكنت قد قررت أن كل عدد من أعداد المجلة سيتضمن مقالا عن فنان بعينه، ربما يكون الفنان الأكثر شهرة في زماننا، وقد أدهشني أن يكتب لي بدر منتقدا اختيار بيكاسو وقائلا عنه إنه شيوعي. هل كان بيكاسو شيوعيا؟ إنه لم يكن كذلك بحسب علمي، وعلى أية حال فإن ذلك لم يكن مهما بالنسبة لي طالما أنه كان الفنان المبدع الذي عرفه العالم.

تلقيت في وقت لاحق مكالمة هاتفية من بدر يخبرني فيها أنه قد وصل إلى لندن، وأنه ينزل في فندق كمبرلاند. وتصادف أن هذا الفندق يقع قاب قوسين أو أدنى من مكتبي الذي يضم غرفة واحدة، وهكذا اقترحت عليه أن يزورني في مكتبي، حيث لم يكن هناك أحد غيري يمكن أن يرعى المكتب أو يرد على الهاتف إذا غادرته.

رد بدر على هذا الاقتراح بأنه لا يلائمه القدوم إلي، فهل من المناسب أن أزوره؟ هكذا انتظرت حتى حان أوان إغلاق المكتب وانطلقت سيرا على الأقدام إلى فندق كمبرلاند، حيث انطلقت إليه وطرقت باب غرفته.

انتظرت عدة دقائق دون أن أتلقى ردا، ثم حدثت نفسي بأنه ربما لم يسمع طرق الباب، فعاودت الطرق مجددا. وأخيرا لاح بدر وهو يفتح باب الغرفة، فوجدت نفسي إزاء رجل لا يكاد يستجمع قواه ليقف متماسكا.

جلسنا معا نتجاذب أطراف الحديث، فأبلغني بأنه على امتداد عدة سنوات تدهورت صحته، وأن العديد من الأطباء فحصوه في العالم العربي ثم في باريس، ولكن أيا منهم في ما يبدو لم يتمكن من تحديد علته بدقة، وعندئذ قلت له إن لدي طبيبا ماهرا للغاية هو في الوقت نفسه صديقي، واقترحت عليه أن أحدد له موعدا مع هذا الطبيب.

وهكذا بعد يومين من هذا اللقاء، ركبت أنا وبدر سيارة أجرة إلى العيادة التي كان طبيبي يعمل فيها، وانتظرت خارج غرفة الفحص، بينما عكف الطبيب على فحص بدر، ثم أطل الطبيب بعد ذلك وخاطبني قائلا: "يؤسفني أن أبلغك بأن صديقك يعاني من مرض ميؤوس منه، وهو يبدو شخصا لماحاً، وبالتالي فلا معنى لإعطائه آمالا زائفة على نحو ما حدث له في الماضي مع أطباء آخرين فحصوه، فينبغي له أن يتقبل حقيقة أن العمر لن يمتد به طويلا، ونصيحتي له أن يجد مكانا لطيفا يمكنه أن يقوم فيه بالعمل الذي يحبه وأن يقضي فيه ما بقي من العمر".

واقترح أن أقول له ذلك بصراحة بالغة، وهذا على وجه الدقة ما قمت به. وبعد ذلك انطلق بدر من لندن إلى الكويت، حيث أمضى بعضا من سنواته الأخيرة، ثم أعتقد أنه بعد ذلك عاد إلى موطنه حيث توفي هناك عام 1969.

في مكان ما بين أوراقي ما زلت أحتفظ بمخطوطة بعض قصائده التي خطها بيده وأرسلها لي، والتي تشكل كنزا أدبيا ثمينا، وأنا أعرف أن من بين هذه القصائد قصيدة طويلة ترجمتها في حينه، ولكنها لم يقدر لها أن تنشر.

والمشكلة هي أنني قد اعتقدت على الدوام أن الشاعر ينبغي أن يقوم بترجمة شعره شاعر، وأنا لم أنظر إلى نفسي قط باعتباري شاعرا، رغم أنني ترجمت ديوانا للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش وكتبت مقدمة إضافية له، ولكن ذلك كان في مرحلة مبكرة من مسيرته الشعرية. وباستثناء قصيدة أو قصيدتين من ذلك الديوان صمدتا في مواجهة اختبار الزمن، فإنني أحسب أنه لم يكن يعتبر هذا الديوان أفضل تمثيل شعري له.