بعد ستة أيام عصيبة عاد الجنود المصريون السبعة الذين اختطفهم الإرهابيون في سيناء. عاد الجنود ولم تنته الأزمة وبقيت الأسئلة التي ثارت مع إطلاق سراح الجنود بلا أجوبة: من الخاطفون؟ ولماذا تركوا الرهائن؟ وكيف سمح لهم بالهروب من مسرح الجريمة؟ وهل كانت هناك صفقة وراء إطلاق سراح المختطفين؟

ما زال مصير ضباط الشرطة الثلاثة ومعهم احد الجنود الذين اختفوا أثناء أحداث الثورة قبل ما يقرب عن ثلاثين شهراً مجهولاً، ومازال الغموض يلف الحادث الذي هز مشاعر المصريين جميعاً في رمضان الماضي حين تم ذبح ستة عشر جندياً على الحدود في رفح ساعة الإفطار.

لقد كشف الحادث الأخير عن الخلل الفادح في العلاقات بين مؤسسات الدولة، وما يمكن أن يؤدى إليه من مخاطر على أمنها القومي. فما ان وقع حادث الاختطاف حتى بدأ الحديث عن خلاف في كيفية المواجهة بين رئاسة الدولة من ناحية وبين أجهزة الأمن من ناحية أخرى.

ففي الوقت الذي كانت الشرطة والجيش يؤكدان على ضرورة التحرك الفوري للقضاء على المختطفين وتحرير الرهائن، كانت الرئاسة تتجنب الصدام مع هذه الجماعات الإرهابية، وتحاول كسب الوقت للتفاوض. وكان البيان الأول للرئاسة يؤكد على ضرورة الحفاظ على سلامة الخاطفين والمختطفين.

ومع التأخر في التحرك بعد اختطاف الجنود، توتر المناخ وبدأ تبادل الاتهامات علناً في وسائل الإعلام بين من يخشون من أن يكون ما حدث مؤامرة تمهد للإطاحة بقيادة الجيش الحالية.

وإذا كانت النهاية تحققت بالإفراج عن الجنود المختطفين، إلا أن كل ذلك لا يخفي الخلل في العلاقات بين مؤسسات الدولة، أو الصراع الذي يدور بينها . والسؤال: إلى متى يمكن أن تتحمل مصر هذا الصراع وآثاره المدمرة على أمنها القٌومي ؟!

ويكشف الحادث الأخير بالطبع عن الأوضاع البائسة في سيناء وحجم الخطر الذي أصبحت تمثله. لقد تحولت شبه الجزيرة التي كانت علي الدوام مفتاح الأمن الوطني لمصر إلي ساحة مفتوحة للتنظيمات الإرهابية في غيبة الأمن، ومع القيود التي تفرضها المعاهدة مع الكيان الصهيوني على اعداد وتسليح الجيش المصري في المنطقة.

والكارثة أن المنطقة أصبحت ملاذاً للإرهابيين من خارج سيناء. فمعظم الذين تم الإفراج عنهم من السجون بقرارات عفو من الرئيس مرسي ذهبوا إلى هناك وانضموا لهذا الجماعات، ومعهم العديد من العائدين من أفغانستان أو الشيشان أو العراق، أو القادمين من بلاد عربية وأجنبية للتدريب في معسكرات الإرهاب هناك.

وبالطبع فإن الكيان الصهيوني لا يترك الفرصة. يقوم باختراق العديد من هذه الجماعات. يمارس نشاطاً استخباراتياً واسعاً. يستغل كل حدث لتثبت صورة ان سيناء تخرج عن سيطرة الدولة المصرية.

يصرخ من الخطر المزعوم على حدوده وفي نفس الوقت يرفض تعديل المعاهدة مع مصر أو ملاحقها الأمنية، لكي تمتلك القوات المسلحة المصرية حرية الحركة والتسلح لمواجهة الموقف.

المخططات الإسرائيلية الطامعة في سيناء ليست خافية، لكن ما يبدو عاجلاً بالنسبة لهم الآن هو محاولة إخضاع مناطق من سيناء للإشراف الدولي.

لقد تم الإعلان بأن الحملة مستمرة علي الإرهابيين في سيناء، وان الحشود العسكرية وفرق مكافحة الإرهاب والجيش ستواصل مهمتها والسؤال هنا : هل سيتم استكمال المواجهة حتي يتم استئصال كل بؤر الارهاب في سيناء .. ام أن نفس العوامل التي أوقفت "العملية نسر" في العام الماضي ستوقف الحملة الحالية بعد أن تهدأ الضجة التي صاحبت اختطاف الجنود ؟ّ!

بلا شك فإن الفرق المختصة بمكافحة الإرهاب في الجيش والشرطة قادرة علي إنهاء المهمة وتطهير سيناء. ولا شك ان قبائل سيناء نفسها تريد الخلاص من هذا الوباء. لكن الأمر ليس سهلاً .. إنه يحتاج لضربة ساحقة وسريعة، وتصاحبها حشد لجهد كل ابناء سيناء، وإغلاق لكل مصادر التمويل والسلاح .. حتى لا يتحول الأمر لحرب استنزاف تستهدف الجيش العربي الوحيد الصامد على خطوط المواجهة.

استئصال الإرهاب أصبح ضرورة وطنية. لكن هذه المهمة تحتاج إلى وحدة الصف الوطني خلف الجيش حتى لا يقاتل وظهره مكشوف، وتحتاج إلى تكاتف مؤسسات الدولة وليس الصراع بينها، وتحتاج إلى حكم لا يهادن الإرهاب أملاً في استخدامه في صراعاته الداخلية، ولا يتربص بالجيش خوفاً من انحيازه للشعب، ولا يضحي بالوحدة الوطنية من اجل السلطة ولا يمهد بفشله - الطريق أما التطرف أو الفوضى.

استئصال الإرهاب الذي يعربد في سيناء أصبح ضرورة. فلا أمن ولا استقرار ولا تنمية من دون ذلك. لكن الطريق لتحقيق هذا الهدف لابد أن يمر باستحقاقات هامة، وبحسم يعيد للشعب وحدته وللدولة هيبتها، ويعيد الثورة لأصحابها.

استئصال الإرهاب عملية تنتهي في سيناء، ولا تبدأ منها!!