في عام 1997 أطلق المفكر الأميركي «بريجنسكي» نظريته الكبرى حول إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للعالم، والتي أسماها آنذاك «رقعة الشطرنج الكبرى»، حيث توقع أن تكون أوراسيا (أوروبا وآسيا) ساحة الصراع العالمي، لأن الاستحواذ عليها يمكن للسيطرة على العالم.

وعلى هامش هذه النظرية راهن بريجنسكي على أن الواقع الجديد (المنظمات الدولية غير الحكومية، والشركات العابرة للقارات، ووسائل الاتصال الاجتماعي)، سيحول النظام العالمي الرسمي إلى نظام عالمي غير رسمي، وبمعنى أدق إلى مجتمع مدني عالمي، تحكمه الشركات ومؤسسات المجتمع المدني، في ظل اضمحلال الدولة وسيادتها. وتوقع بريجنسكي لتحقيق هذه الفكرة، عشرات السنين القليلة القادمة.

اليوم، وبعد 16 عاماً على نظرية بريجنسكي، بدأنا نلمس فعلاً أن سيادة الدول في تراجع ملحوظ، وسط بروز مثير لدور الشركات العابرة للقارات والمنظمات الدولية غير الحكومية، كفاعلين جدد على ساحة العلاقات الدولية، وذلك بفعل عوامل عدة، منها ثورة الاتصالات وشبكات التواصل الاجتماعي.

فشركة «غوغل» مثلاً، وهي شركة عابرة للقارات، دخلت في نزاعات مع دول كبرى كالصين، بسبب طبيعة استخدامات محركات البحث الخاصة بهذه الشركة على المواقع الإلكترونية الصينية، إضافة إلى النفوذ السياسي والاقتصادي لهذه الشركات على الساحة الدولية.

أما المنظمات الدولية غير الحكومية، والتي وصل تعدادها إلى أكثر من 25 ألف منظمة، بحسب الكتاب السنوي للمنظمات الدولية، فقد تنوعت أنشطتها واختلطت أجندتها بأهداف معلنة وأخرى خفية. وما أعنيه هنا، هو تلك المنظمات الدولية غير الحكومية المهتمة أو «المكلفة» بمنطقة الشرق الأوسط.

وإلى ذلك يقول «جون بيليس» و»ستيف سميث» في كتابهما «عولمة السياسات العالمية»، عن الأهداف الحقيقية لهذه المنظمات: «عندما تصبح المنظمات الإقليمية أو الحكومية الدولية العالمية ذات وزن في صناعة القرار السياسي، ستحاول المنظمات غير الحكومية التأثير في هذه الإجراءات، والدخول إلى الهيئات الدولية ومراكز صناعة القرار، كطريق غير مباشر للتأثير في سياسات الحكومات».

وهنا نحن أمام عدة إشكاليات في فهم طبيعة الأهداف المتوخاة من المنظمات الدولية غير الحكومية، منها:

* كيف نصفها بأنها «غير حكومية» وهي تقبل التبرعات من الحكومات؟ فالحكومات غالباً ما تدفع من أجل أجندات ترتبط بمصالحها الخاصة، وطالما أن الموضوع متوقف على دفع التبرعات، فإن عملية تأسيس هذه المنظمات وتوظيفها سياسياً بات سهلا جداً، ليس فقط على الدول، بل حتى على المنظمات الإرهابية والإجرامية.

* كيف نسميها «منظمات دولية غير حكومية» وهي شديدة التعاون والتلاحم مع المنظمات الدولية الحكومية؟ من يستطيع أن يضع الحدود الفاصلة بين أنشطة هذه المنظمات وبين متطلبات السيادة والأمن القومي للدول؟ ومن المسؤول عن حيادية ونزاهة التقارير والدراسات التي تعدها عن بعض الدول؟ وما مدى مصداقية مصادر معلوماتها؟ لاسيما أن المنظمات الدولية الحكومية تهتم بمخرجات المنظمات الدولية غير الحكومية، على اعتبار أنها «مؤسسات مجتمع مدني»!

وقد بدأنا نشهد ظاهرة انتشار «المنظمات الدولية غير الحكومية العربية»، مثل منظمة مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط (POMED)، التي تسعى لتدريب الشباب العربي على السياسة والإعلام والأبحاث والاتصالات في العالم الافتراضي، لصنع قيادات قادرة على التغيير السياسي في بلدانها. وهناك مؤسسة «صلتك» القطرية، التي ترعى مبادرات تركز على الشباب كأداة للتغيير السياسي.

حيث أبرمت «صلتك» اتفاقاً مع «مركز جيمس ويلفنسون» في مؤسسة «بروكينغز»، لإدارة مبادرة شباب الشرق الأوسط التي تسعى لتهيئة الشباب لدور جديد في عملية التغيير السياسي في الشرق الأوسط، ضمن شعارات فضفاضة مثل: المجتمع المتجدد الثقافات، والمساواة بين الجنسين، وحقوق الأقليات...

وفي تقديرنا أن مؤسسة «صلتك» هي الأكثر نفوذاً في المنطقة، حيث وصل الدعم لها أن تقوم بمشاركة بنوك إقليمية في فتح صناديق استثمارية لدعم 100 ألف شاب في بلد واحد.

أما في مسألة تنويع الأنشطة، فقد باتت «صلتك» تتدخل في شؤون دول ذات سيادة. ففي ديسمبر 2012 عقدت المؤسسة مؤتمراً في الجامعة الأميركية في بيروت، بالاشتراك مع مبادرة شباب الشرق الأوسط، وناقشت قضايا عدة من ضمنها «البطالة في دولة الإمارات العربية المتحدة»، مع العلم أن دولة الإمارات تقع خارج اختصاص عمل «صلتك»!

 إننا في دولة الإمارات لدينا قيادة حكيمة ورجال أوفياء وصلوا بالإمارات إلى ما وصلت إليه، وقد عاهدنا الله والوطن على المضي قدماً إلى ذرى المجد، وأن لا نلتفت إلى صغائر الأمور مهما كان مصدرها. أما البطالة فموجودة في أقوى الاقتصاديات في العالم، وستبقى ملازمة للاقتصاد العالمي المعاصر، ونحن في الإمارات لدينا برامجنا الوطنية وسياساتنا الخاصة للقضاء على هذه الظاهرة، وقد بدأنا حصاد ثمار برامجنا..

أما بخصوص المنظمات الدولية غير الحكومية، فليس لنا مطلب سوى تقنين عملها، منعاً لفوضى قد تزيد النظام العالمي فوضوية أكثر.