السلام الاقتصادي المستحيل

ت + ت - الحجم الطبيعي

انتهت قبل مدة ليست بالبعيدة زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري الثالثة للمنطقة دون شيء جوهري بالنسبة لعملية التسوية المتوقفة منذ وقت طويل على مسارها التفاوضي الفلسطيني «الإسرائيلي».

فالزيارة حملت أولويات لم تكن القضية الفلسطينية واحدة منها، بل كانت هناك ملفات إقليمية ذات اهمية أكبر لدى صناع القرار والدبلوماسية الأميركية، منها الملف النووي الإيراني، وملف الأزمة الداخلية السورية، وملف العلاقات التركية مع الدولة العبرية الصهيونية.

وتشير المعلومات المُستقاة من مصادرها الفلسطينية المسؤولة، بأن جون كيري وفي زيارته الأخيرة للمنطقة، وبعد أن قرّب إليه بيل غوردون، رجل مجلس الأمن القومي ليحل مكان دنيس روس، أبلغ الأطراف المعنية بأنه سيعمل في وقت لاحق على عقد لقاء رباعي في العاصمة الأردنية عمان (فلسطيني، أردني، إسرائيلي، أميركي) لتعميق الدور الأردني في المفاوضات ودعم ما اسماه خيارات الدول العربية «المعتدلة»، في وقت قيل فيه إن الرئيس محمود عباس لن يذهب إلى أي لقاء دون أن تتخذ «إسرائيل» خطوات ملموسة على صعيد وقف الاستيطان، لا في الأردن ولا في أي مكان آخر، مطالباً في الوقت نفسه أن يرى كل شيء في خريطة التسويات الإسرائيلية، وإن كانت لديه قناعة تامة بأنها غير موجودة.

وتضيف المصادر إياها، بأن جون كيري وعد (كالعادة في استنساخ المواقف الأميركية التقليدية) بأن يسعى لإقناع إسرائيل ــ (لاحظوا المنطق الناعم: إقناع إسرائيل) ــ بوقف البناء في المناطق خارج الكتل الاستيطانية، (أي مع السماح بتسمين المستعمرات القائمة في الضفة الغربية ومناطق القدس)، وذلك مقابل ــ (لاحظوا مقابل) ــ تعهد الفلسطينيين بألا يتوجهوا بمبادرات مستقلة إلى الأمم المتحدة.

لكن الشيء المضحك والمثير، أن يترافق مع زيارة الوزير جون كيري إطلاق نظريات ومقترحات فيها الكثير من «الضحك» على الفلسطينيين وحتى على العرب، فالأكاذيب أطلت تحت عناوين خادعة وبراقة كالحديث عن مقولة «السلام الاقتصادي»، وعن الأموال والمشاريع التي ستساعد على «نغنغة» و«رخاء» الفلسطينيين بالضفة الغربية وقطاع غزة، وكأن المسألة هي مسألة اقتصادية بحتة، وليست قضية تحرر وطني لشعب تحت الاحتلال.

ومن المعلوم أن مقترحات ونظريات وأكاذيب «السلام الإقتصادي» سَبَقَ وأن تم الحديث عنها و«التطبيل والتزمير» والتَنظّير لها عشية توقيع إتفاق أوسلو الأول في حديقة البيت الأبيض في واشنطن، في سبتمبر 1993، عندما تم الترويج لمقولة تحويل قطاع غزة إلى سنغافورة الشرق الأوسط، وتحويل الضفة الغربية إلى ماليزيا المنطقة، في أكاذيب للضحك على الفلسطينيين والعرب، وتقزيم ومسخ القضية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني بعد هذا المشوار الطويل والشلال المتواصل من الدماء والتضحيات.

وبالاستخلاص الأخير، نقول ان زيارة الوزير الأميركي جون كيري للمنطقة لم تأت بالجديد على صعيد الموقف الأميركي من الموضوع الفلسطيني، بل جاءت تكرر المكرر، تحت عنوان العملية الاستكشافية تارة، والتقريب، والسلام الاقتصادي، وتبني الشروط الإسرائيلية الكاملة للعودة لطاولة المفاوضات، ومنها الاعتراف الفلسطيني بما يسمى «يهودية الدولة» مقابل تجميد الاستيطان ــ (لاحظوا تجميد الإستيطان).

لقد كان المطلوب من الوزير كيري والإدارة الأميركية برمتها العمل أولاً على ممارسة ضغط فعلي وحقيقي على الدولة العبرية الصهيونية لوقف كافة أشكال الاستيطان، الذي يمثل إدامة للاحتلال وتكريس لواقع ديمغرافي تريد «إسرائيل» فرضه على الأرض. وثانياً في العمل مع باقي أطراف المجتمع الدولي، وخاصة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، على إيجاد آليات ملزمة تضمن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية بجوانبها كافة.

 

طباعة Email