من بين جميع الكتاب المصريين العظام الذين حظيت بشرف التعرف إليهم شخصياً، بما في ذلك نجيب محفوظ، الكاتب العربي الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل للسلام، كنت ربما أكثر معرفة بتوفيق الحكيم. كان الشخص الأول الذي اتصلت به عند وصولي إلى القاهرة من إنجلترا في نهاية الحرب العالمية الثانية، وكنت قد قرأت أصلاً الكثير من كتاباته، وكان لدي شعور قوي بأن كتابه "يوميات نائب في الأرياف" يستحق أن يكون متوافراً باللغة الإنجليزية.

لذا أسرعت إلى مكتبه في مبنى الأهرام، لأطلب إذنه في ترجمة الكتاب. فقال لي إنه كان يفترض بي الاتصال به قبل نحو شهر، لأن شخصاً ما كان في تلك الأثناء قد قدم له طلباً مماثلًا. ولم يكن هذا الشخص إلا أبا إيبان الذي درس اللغة العربية في جامعة كامبريدج قبلي بسنتين أو ثلاث.

 ولم تكن قد مضت فترة طويلة على منحه الإذن بترجمة الرواية، التي صدرت باللغة الإنجليزية تحت عنوان "متاهة العدالة"، عندما علم توفيق الحكيم أن أبا أيبان قد عين وزيرا في الحكومة الإسرائيلية المشكلة حديثا.

لكن سيتسنى لي لاحقا أن أترجم مسرحيته "السلطان الحائر"، التي شقت طريقها في أميركا لتكون ضمن الطبعة الموسعة لمختارات نورتون لروائع الأدب العالمي. والحكيم الذي عاش في باريس ودرس فيها واكتسب معرفة ممتازة باللغة الفرنسية، كان على معرفة تامة بمؤلفين مثل ايونيسكو وصامويل بيكيت، وكان شخصاً أكثر رقياً في كثير من النواحي، من معظم المثقفين المصريين في عصره.

وكان اهتمامه الخاص منصبّاً على المسرح، وقد حزم أمره على إنشاء تلك المؤسسة في مصر، على أن يؤلف كتابها الكبار مسرحيات يمكن أن ينظر إليها كجزء أساسي من الأدب العربي. وحتى ذلك الوقت، كان ينظر إلى المسرح كمكان للتسلية، وضيع وبسيط، من دون أي رابط بالأدب الجدي. ولم تكن المسرحيات تعتبر جزءًا من الأدب العربي الجدي، كالروايات والقصص القصيرة، وتوفيق الحكيم هو من أدخل الدراما في الآثار الأدبية.

وبعد عودته من باريس، كتب الحكيم مسرحيته الأولى "أهل الكهف"، وهي المسرحية التي اعتمد فيها على أسطورة "نائمو أفسيس السبعة" المشار إليها بشكل موجز في القرآن الكريم، لكن مسرحيته "السلطان الحائر" المنشورة في عام 1960، هي التي تعد على نطاق واسع مسرحيته الأكثر نجاحا.

وقبل مجيء الإمبراطورية العثمانية، كان المماليك يحكمون مصر على مدى قرنين ونصف القرن من الزمن، ومصدر الاسم هو "المملوك" أو "العبد"، وكان السلاطين من العبيد الذين جرى إعتاقهم. وفي مسرحية توفيق الحكيم، فإن مملوكا كان قد صعد إلى العرش، لكن دون أن يجري إعتاقه بشكل صحيح، ونتيجة لذلك تبدأ الدراما التي تتمكن، على حد تعبير أحد النقاد، من أن تحتفظ بالجدية دون الوصول إلى حدود الرزانة.

وكان من المساهمات الرئيسية الأهم لكاتب المسرحيات هذا في الأدب الحديث، أنه أوجد شكلا مقبولا من أشكال اللغة العربية الأدبية بالنسبة للقارئ المتعلم، وهذا الشكل يسمح للكاتب المسرحي بالدخول في الوقت نفسه في حوارات فكاهية مضحكة بين الشخصيات.

وأذكر أنني في إحدى المرات وصلت إلى مكتبه دون أن أبلغه بالأمر مسبقا، فقام فجأة بإخراج ورقة مكتوبة بخط اليد باللغة العربية، وعندما نظرت إلى أسفل النص لمحت توقيعا بالعربية أيضا باسم المستعرب الفرنسي الكبير لويس ماسينيون، المشهور بدراسته للمفكر والمتصوف الحلاّج.

قال لي توفيق الحكيم: "اقرأ الرسالة"، وفيما كنت اقرأها فوجئت باحتوائها على أخطاء كثيرة في القواعد. كيف يمكن لشخص مثل ماسينيون أن يخاطر بكتابة رسالة باللغة العربية لأحد الكتاب العرب الرواد، وهو المعروف بأنه من أعظم المساهمين في تقديم إحدى روائع الأدب العربي إلى الغرب، عندما لا يكون متأكدا من أنه يستطيع القيام بذلك من دون ارتكاب أخطاء لغوية!

أخذ توفيق الحكيم الرسالة فيما هو يضحك، وأعادها إلى الجارور. لكن فيما هو يعيدها وقعت يده على شيء آخر مثير للاهتمام، فأخرج شيكا وسلمه لي. وكان شيكا من ناشر إنجليزي بمبلغ إجمالي جنيهين وأربعة شيلينات، هي إيرادات كتابه خلال سنة. وأدلى بملاحظة وهو يضحك: "سيكون أمرا مؤسفا أن أصرف هذا الشيك، أعتقد أنني سأدفع مبلغا لوضعه في إطار حتى أعلقه فوق مكتبي".

وأنهي هذا القطعة القصيرة حول أحد أعظم الكتاب في مصر، باقتباس للروائي الإنجليزي "بي إتش نيوباي"، وهو أحد الفائزين الأوائل بجائزة بوكر، حول رواية الحكيم "يوميات نائب في الأرياف":

"المسرحية الهزلية لتوفيق الحكيم، أكثر سوداوية من كل كتابات الأديبين غوغول وديكنز، لأن حياة الفلاحين المصريين كانت أكثر قتامة من حياة الأقنان الروس في القرن التاسع عشر، أو المعوزين الإنجليز. ويجب أن يقال أيضا إن القراء الأوائل لغوغول وديكنز، كانوا على غير استعداد للنظر إلى الحقائق غير المرغوب فيها، بالأمانة نفسها التي توقعها الحكيم من قرائه".

وبالتأكيد استحق توفيق الحكيم مكانته إلى جانب نجيب محفوظ، باعتباره ركيزة من الركائز التي قامت عليها نهضة الأدب العربي.