يشهد قرنان من العلاقات بين الإمارات وبريطانيا، على متانة الجذور والصلات التي تربط البلدين، كما تؤكد أنها عصية على أن تتزعزع أو تنال منها عوارض مهما كانت، فالشعبان، فضلاً عن الحكومتين، اختارا أن تكون العلاقات القائمة على الثقة والحميمية والاحترام المتبادل، هي المسيطرة في الأجواء البريطانية والإماراتية، وأن يكون التعاون المتبادل المتكاتف المتواصل، هو السياج الحصين لتلك العلاقات.

فالطرفان منذ نشأة علاقات الصداقة بين البلدين، آمنا معاً بأن التمسك بالقيم والسعي نحو المساهمة في الحفاظ على السلام العالمي، هما الأجندة المستمرة، والأولوية القصوى في جوهر الصداقة بين الدولتين والشعبين، فكان أن تصدرت الإمارات والمملكة المتحدة، الجهود الدولية الرامية إلى محاربة التطرف، كما تشارك الجانبان في العديد من المبادرات لهذه الغاية، فترأسا معاً المجموعة العاملة لمكافحة التطرف، التابعة للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، إضافة إلى تعاونهما المتزايد على صعيد التنمية العالمية.

ولذلك، لا تفاجئنا الأرقام والإحصاءات، حين نعلم أن أكثر من 100 ألف بريطاني يعيشون في الإمارات، فضلاً عن نحو مليون بريطاني يزورونها سنوياً، ينالون من خيرها، ويعملون على أرضها، وينعمون بمنتهى الأمن والأمان الاجتماعي والاقتصادي والاستثماري، وكأنهم في بلدهم، وهم في المقابل، يحترمون كل الاحترام جوهر الهوية الإماراتية، ويحرصون كل الحرص على الثقافة الإماراتية، وثوابت المجتمع الإماراتي.

ولم يخفِ البريطانيون ذهولهم من عمق التجربة الإماراتية النهضوية المتسارعة، وهم يرون هذه الدولة الناشئة الفتية تقفز نحو المستقبل قفزات مذهلة، لفتت إليها الأنظار، وأدهشت كل من راقب هذه النقلات النوعية، حتى إن الملكة إليزابيث الثانية نفسها، وعقب زيارتها إلى الإمارات في عام 2010، أبدت دهشتها البالغة من النقلات الكبيرة بين زيارتيها الأولى في نهاية السبعينيات والحالية، وتحدّثت عن دهشتها من التطور السريع الذي شهدته الإمارات منذ إعلان قيام الاتحاد، وعادت لتؤكد إعجابها بطبيعة شعب الإمارات وهويته الأصيلة، خلال استقبالها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لدى زيارته الأخيرة بدعوة من الملكة إلى بريطانيا، حيث قالت: "أثارت إعجابنا العادات والتقاليد الإماراتية التي تتميز بالدفء وحسن الضيافة".

وحين قدمت الإمارات نفسها نحو المستقبل، طرحت أوراق التميز والثقة بالقدرات والهوية والثقافة وإخلاص العاملين من جميع أبنائها، حتى قال أحد السياسيين البريطانيين لدى زيارته إلى أحد المصانع في الإمارات، حيث وجد أن نحو 80% من العاملين فيه كانوا من النساء، فقال عندها: "هذا يجعل الإمارات على أهبة الاستعداد لخوض المنافسة العالمية، وضمان مستقبل لا يعتمد فيه الاقتصاد على النفط، ولعب دور مهم على الساحة العالمية"، وقال دبلوماسي آخر: "إن التنمية الشاملة التي تشهدها الإمارات، بنَت جيلاً من أجيال الغد، مستعدّاً لخوض غمار المستقبل".

ولا شك أن الجانب الاقتصادي بين البلدين كان له الدور البارز في توطيد أركان هذه العلاقة، ومن المؤكد أن زيارة صاحب السمو رئيس الدولة الأخيرة إلى بريطانيا، بدعوة شخصية من الملكة إليزابيث الثانية، ستكون لها انعكاسات إيجابية على العلاقات الثنائية، كما أنها تأتي كذلك في مرحلة متميزة بقوة هذه العلاقة، من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وهناك حقيقة ثابتة في فلسفة العلاقات بين الدول، وهي أنها تستمر وتنمو، ما دامت تتغذى من معين الثقة والاحترام المتبادل والفائدة المشتركة، وهو ما تمثله تجربة العلاقات الإماراتية البريطانية، وأشارت إليه الملكة إليزابيث بقولها، إن الصداقة بين البلدين "تستمد قوتها من العلاقات بين حكومتينا وشعبينا"، وهي تركز على حس مشترك من الطموح.