أفزعني أن أقرأ في الصحف أخيراً الأنباء التي دارت حول تعرض تمثالي طه حسين وأم كلثوم للتخريب.
ففي المنيا، التي ينتمي إليها عميد الأدب العربي الحديث، أطيح برأس تمثال تذكاري نصفي له كان قد نصب في ميدان طه حسين قبل 10 سنوات، والمرء لا يملك إلا التساؤل: لماذا؟ لقد ربطتني أواصر وثيقة بهاذين النجمين اللذين يمثل كل منهما بطريقته الخاصة، العبقرية التي تعد جزءاً جوهرياً من العالم العربي.
وفي ما يتعلق بطه حسين، كنت قد علمت لأول مرة بوجوده، عندما عملت في صدر العمر في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية.
وما زلت أتذكر أننا قد اعتدنا أن نبث حديثاً لطه حسين مرة كل أسبوع، وكان يدهشني على الدوام أنه يتحدث بطلاقة، كما لو كان يقرأ من نص مكتوب أمامه، رغم أنني كنت أعرف بالطبع حتى في ذلك الوقت، أن هذا الرجل العظيم كان كفيفاً منذ طفولته.
وكنت أصغي وأتعجب حول الكيفية التي استطاع بها رجل كفيف، أن يحقق مثل هذه الشهرة باعتباره مثقفاً من طراز رفيع، خاصة وأنه لم تتح له أي من المزايا المرتبطة بخلفية تتسم بالثراء، ولم يكن إلا ابناً لفلاح مصري بسيط، ومع ذلك فقد أفلح في أن يصبح طالباً في الأزهر الشريف، ثم أكمل تعليمه في فرنسا، وتزوج من سيدة فرنسية، وأصبح ينظر إليه باعتباره المثقف الرائد في العالم العربي.
وهكذا فإنني بعد أن وضعت الحرب أوزارها عام 1945، انطلقت إلى القاهرة وأسعدني أن أجد أن صديقي الدكتور لويس عوض يعرف طه حسين.
في ذلك الوقت كان طه حسين وزوجته الفرنسية يقيمان أمسيات ثقافية، يدعى إليها كبار مثقفي القاهرة والزوار الذين يرتادونها. وكان د. لويس عوض غالباً ما كان يصطحبني معه.
وكانت إحدى النكات الشهيرة التي تطلق على د. لويس عوض، تدور حول أنه لا يهتم بمظهره الشخصي، ولكنه كان على الدوام يحرص على حلاقة ذقنه في الليالي التي ينطلق خلالها إلى أمسيات طه حسين. وأتذكر جيداً كيف أنني كنت أنطلق إلى دار صديقي التي تعمها الفوضى، وأجده منهمكاً في حلاقة ذقنه، وكان الناس يتندرون بالقول عن لويس عوض، إن المرة الوحيدة التي يكبد فيها نفسه عناء حلاقة ذقنه، هي التي يمضي فيها لزيارة رجل كفيف.
كان جانب كبير من الحوار الذي يدور في دار طه حسين، يجري بالفرنسية وهي لغة لا أتحدثها بطلاقة، ولذا فإن طه حسين كان يحرص لدى مخاطبته لي، على الحديث باللغة العربية.
وأتذكر أنني في إحدى المناسبات مضيت إلى إحدى أمسياته، وقلت إن مصر فيها الآن روائي بارز يدعى نجيب محفوظ لا يقل عن أبرز الروائيين العالميين، وذكرت أنني قرأت لتوي رواية بارزة من إبداعه بعنوان "زقاق المدق"، وقد أدهشني أن أجد أن الحاضرين لم يسمعوا بنجيب محفوظ قط، وأسعدني على الدوام أن طه حسين كان يقدمني للناس باعتباري أول من أتى على ذكر اسم نجيب محفوظ أمامه.
وفي ما يتعلق بأم كلثوم فقد جاءت بدورها من خلفية ريفية فقيرة، وبذلت جهداً كبيراً ليتألق اسمها، انطلاقاً من تلك القرية الصغيرة التي ولدت فيها لأبوين ريفيين.
ما زلت أتذكر أنني لدى قدومي إلى القاهرة في صدر شبابي بعد الحرب العالمية الثانية تم تعريفي بمجمل العادات التي تصاحب تلك الليلة التي تقيم فيها أم كلثوم حفلها الغنائي. وأتذكر أيضاً بمزيد من الوضوح أمسية في الخرطوم التي دعيت إليها لحضور حفل غنائي لأم كلثوم، وكانت القاعة التي سيقام بها الحفل حافلة بالناس، وباعتباري ضيف شرف في الحفل، فقد خصص لي مقعد في الصف الأمامي وإلى جانبي رجل إنجليزي آخر لم تكن له معرفة باللغة العربية ولم يستمع إلى غناء أم كلثوم قط.
وبينما كانت أم كلثوم تغني كان شبان ممن الجمهور يشقون طريقهم إلى خشبة المسرح متجنبين الحراس الذين وقفوا هناك لمنع أي أحد من الاقتراب من خشبة المسرح، وكانوا يمسكون بيدي أم كلثوم ويغمرونهما بالقبلات، وكانت أم كلثوم فيما يبدو معتادة مثل هذه التعبيرات، فما كان منها ألا أن واصلت الشدو بأغنياتها.
سألني الإنجليزي الجالس إلى جانبي هامساً عن الوقت الذي سيمتد إليه الحفل فقلت له أنه سيمتد ساعة أو ساعتين، فبدا عليه الذهول وهو ينظر إلي وقال: "حقاً؟"، رددت عليه قائلاً: "على الأقل". فسألني: "هل سيتضايقون إذا غادرت الآن؟"، فرددت عليه: "غادر ولكن بأقل قدر تستطيعه من الضجيج".
وخلال فترة دوى فيها التصفيق انطلق جاري بأقصى قدر ممكن من الهدوء مغادراً القاعة، وأدركت أن عشقه لأم كلثوم وأغانيها وموسيقاها لا يمكن إلا أن يجيء بمرور الوقت وبتملك ناصية الثقافة العربية. وفي عام 1975، رحلت أم كلثوم عن عالمنا.
من الصعب تصديق أن تمثالي هذين النجمين المصريين العظيمين قد تعرضا للتخريب، ومع ذلك فإن هذين الاسمين الخالدين سيواصلان تألقهما في تاريخ مصر.