ربطتني أواصر الصداقة بحنان الشيخ على امتداد سنوات عدة، وأتذكر أن أول رواية صدرت لها مترجمة إلى اللغة الإنجليزية كانت بعنوان "حكاية زهرة"، وهي متزوجة رجلاً لبنانياً يقيم في السعودية ويعمل فيها، وقد حقق نجاحاً كبيراً في إنشاء وإدارة مصفاة نفط في شرق السعودية. وبعد أن أمضت حنان الشيخ بعض الوقت مع زوجها في السعودية، قررت أن تقيم في لندن، حيث يمكن لزوجها المجيء عندما يرغب في أخذ إجازة من عمله في السعودية، وقد حققت هي وزوجها نجاحا في ميداني عمليهما.
ورغم أن حنان الشيخ تعرف الإنجليزية جيدا، إلا أنها أحست بأنها لم تعرفها بالقدر الذي يمكنها من استخدامها في كتابة أعمالها الإبداعية، ومن هنا فقد أرادت مني أن أصبح مترجما لأعمالها من العربية إلى الإنجليزية، ولكنني شعرت بأنني لا أرغب في تكريس نفسي لمثل هذا الدور، واقترحت اسم مترجمة إنجليزية تدعى كاثرين كوبهام، تقيم في سكوتلندا. غير أنني أعتقد أنني كنت مترجم أول عمل ينشر لها بالإنجليزية، وكان هذا العمل قصة تحمل عنوان "السجادة الفارسية"، وظهرت في المجلد الذي نشرته بالتعاون مع دار كوارتيت اللندنية عام 1983، تحت عنوان "قصص قصيرة عربية"، وهو مجلد يحتوي ترجمات لقصص من معظم بلاد العالم العربي.
منذ ذلك الحين، أصبحت حنان الشيخ أشهر كاتبة باللغة العربية، ومعظم رواياتها متاحة في ترجمة إنجليزية صادرة عن كبرى دور النشر في إنجلترا والولايات المتحدة، وبين الحين والآخر تقوم بزيارة للعالم العربي. وقد ظهرت لها قصتان قصيرتان مترجمتان إلى الإنجليزية، في المجلد الذي يحمل عنوان "الأدب العربي الحديث"، والذي نشرته في 2006 مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة.
وهناك صفحتان في كتابي "ذكريات في الترجمة"، مكرستان لحنان الشيخ. فدعني أقتطف نصا قصيراً عما قلته عنها في ذلك الكتاب: "رغم أن حنان تكتب باللغة العربية إلا أن لديها نوافذ مفتوحة على عوالم أخرى، وقد أصبح لها جمهور حقيقي من القراء في الغرب، في كل من الترجمة إلى الإنجليزية ولغات أخرى.. وهي لا تحظى في العالم العربي بمثل هذا التقدير الكبير، حيث يشعر الكثيرون هناك أنها لا تمثل وجهة النظر العربية حقا.
وأذكر أنها في إحدى المرات تعرضت للانتقاد لتصويرها شخصية مومس مغربية تمارس مهنتها في لندن، وشخصية عربية أخرى منحرفة جنسيا، وقد اتهمت بأنها تنشر الغسيل العربي القذر علناً. وكأنما لا يدري أحد أن النساء من جميع الأجناس يمكن أن يصبحن أحيانا مومسات، أو أن رجالا عربا يتعرضون للانحراف شأن الجميع في هذه الدنيا.."، وهكذا كان.
كتبت حنان الشيخ أيضا عددا من القصص القصيرة للأطفال، ترجم بعضها إلى الانجليزية وأصدرتها دار الفتى العربي.
وتواصل حنان الشيخ الاتصال بالعالم الأدبي العربي، من خلال العديد من كتابه الذين غالبا ما تتم دعوتهم إلى دارها في لندن. وفي كتاب "ذكريات في الترجمة" أسجل دعوتي إلى شقتها لتناول طعام الغداء، لأن الروائية المعروفة جيل نيفل أرادت أن تلتقيها. وكانت جيل نيفل في وقت من الأوقات ناقدة كتب في صحيفة "صنداي تايمز"، واختارت رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال" لتكون كتاب العام.
وسألتني جيل آنذاك عما إذا كنت قد التقيت خلال إقامتي في القاهرة بكاتب يدعى بيتر دوفال سميث، وقد رددت بأنه كان صديقا من أصدقائي المقربين، وعندئذ تحدثت عنه جيل بشكل يخلو من المجاملة إلى حد كبير، وقالت إنها كانت في وقت من الأوقات زوجته، وأن زواجهما دام شهورا عدة، وتطرقت في حديثها إلى رواية كانت قد ألفتها تحت عنوان "فتاة الخريف"، والتي كانت بشكل رئيسي تدور أحداثها حول علاقتها ببيتر دوفال سميث، وكيف أنها سألته ذات مرة عما إذا كان يكترث لقيامها بنشر هذه الرواية، رغم أنها تحتوي على تفاصيل حميمة وملاحظات انتقادية إلى حد كبير عن الرجل الذي ارتبطت معه بالزواج لمثل هذا الوقت القصير.
وقد انتهى الحديث بينهما بإلقائه مخطوطة الكتاب في وجهها، مصحوبة بفيض من العبارات الوقحة والشتائم البذيئة.
كان بيتر دوفال سميث، رغم الصداقة الطيبة التي ربطتنا عندما كنا نعمل بالتدريس في جامعة القاهرة، شخصا لا يكترث على الإطلاق بالطريقة التي يعامل بها الآخرين، حتى أولئك الذين اعتبرهم أصدقاء له، وقد ترك جامعة القاهرة قبل أن أغادرها، وحقق لنفسه حياة عملية مميزة في هيئة الإذاعة البريطانية، ولدى عودتي إلى لندن مضيت إلى حانة كنت أعلم أنه يتردد عليها، حيث حييته بلمس كتفه بود، وعندئذ التفت إلي، وحينما وقع ناظره علي قال: "ولكنك ميت يا دنيس!"، مشيرا إلى الحقيقة القائلة انني قد أصبت بجرح في انفجار في القاهرة، ثم تجاهلني بعدئذ تماما.
كانت المرة الأخيرة التي التقيت فيها حنان الشيخ، قبل عامين عندما دعيت أنا وزوجتي وباولا والصحافية في الأهرام منى أنيس، لتناول طعام الغداء مع حنان وزوجها في الفيلا التي يمتلكانها في قرية على شاطئ البحر قرب نيس جنوبي فرنسا، وأعطتنا نسخة من أحدث كتاب لها، وهو "الجراد والعصفور: حكاية أمي" الذي نشر بعد ذلك بالعديد من لغات العالم.